المشاعر “الحديثة”

ثمة اتّجاه يتنامى لدراسة آثار الحداثة على المفاهيم الحياتيّة؛ الطفولة في السياق المعاصر لم تعد نفس الطفولة في السياق القديم [1]، وكذلك الزواج والأمومة والصداقة والترفيه والسعادة والمعرفة وغيرها، كلها تغيرت بصورة شبه جذرية .

هاهنا ملحوظات وأسئلة مثارة حول التغيرات التي طرأت على فكرة “المشاعر”، أجعلها في نقاط خمس تسهيلًا لإيصال المعنى .

أولًا: التقديس :

الاهتمام المبالغ فيه بفكرة المشاعر وشكلها وأنماطها و”تطورها” هو محور الكتاب الأهم الذي نشره المفكر الفرنسي “ميشيل لكروا” وتُرجم بعنوان “عبادة المشاعر”، يقول لكروا :

“مؤرخو المستقبل الذين سيشرعون في وصف حقبتنا التاريخية، سيخلصون إلى أنها كانت تتميّز بطغيان المشاعر . لا يوجد مجال في الحياة الاجتماعية المعاصرة لا يخضع لهذه العدوى . الميولات الاجتماعية الحالية يمكن تفسيرها على أنها محاولات لتحريك الحياة العاطفية” [2]

وأنتَ تطوّف بصرَك ستلحظُ شيئًا من المبالغة في التعاطي مع فكرة المشاعر في حياتنا، تجده مثلًا في تكثيف حضور الذكريات، وازدياد عدد المناسبات التي نحتفل بها لموافقتها ذكرى شخصية أو عامة، ثمة سطوة لفكرة المشاعر والذكريات جعلت الفقيه يفكر ألف مرة قبل مواجهة الناس برأيه في تحريم الاحتفال بأعياد الميلاد -إن كان يرى ذلك محرمًا – .

في التعاطي مع فكرة الزواج نجد تقديس المشاعر حاضرًا؛ شكاوي لا حصر لها عن رغبة في فض مؤسسة الزواج لعدم التطابق التام أو عدم الإحساس بالحب الكافي تجاه الطرف الآخر أو خفوت الوهج الأول، وكأن البيوت تبنى على المظاهر العاطفية وحدها، نعم الحب والمودة والتناغم مهمة للحياة الزوجية؛ لكن تهويل القدر الكمالي الذي لا يتأتى لكل أحد معضلة؛ بل بعضه قدرٌ غير مطلوب أصلًا .

وفي تمظهر آخر جرّب أن تستمع لأحد يروي قصة خيانة زوجية؛ سواء كان ذكرًا أو أنثى، سيكون في ثنايا الكلام تسويغ خفي بأن الطرف الآخر مهملٌ في التدفق المشاعري، قد لا يبدو ذلك عذرًا مقبولًا؛ لكنه تهوين مضمر على كل حال .

الحديث عن تعظيم الفنون، والتسامح مع الشذوذ الجسدي بحجة النوازع، و تحكيم الهوى في ترجيح الخلافيات الفقهية= موضوعات متباينة، مشتتة، يجمعها خيطٌ ناظم صغير اسمه “تقديس المشاعر” .

هذا يجعل المتجول في جنبات وسائل التواصل يلحظ ما يسميه زيجمونت باومان “رواج خدمات الإرشاد”[3]؛ المستشارون العاطفيّون -المتزايدون- في برامج الآسك مثالٌ صالح .

ثانيًا : الإشباع العابر:

من الأفكار المثيرة للاهتمام في كتاب لكروا تفريقه بين العواطف وبين المشاعر؛ يقول:

“العواطف والمشاعر لهما توقيت مختلف . الإنسان العاطفي يحتفظ برابط دائم بموضوعه، كأنه يهب نفسه له . لكن هذا الثبات والإخلاص هو في تناقض مع الطابع النفسي الحالي . فالناس حاليًا تهرب من الارتباط الحصري والتعاقد المطلق، وتفضل المواقف العابرة والروابط الهشة” [4] .

نعم هذا موجود، النظر لفكرة الزواج على أنها مجرد أعباء، وأن حاجاتنا من الممكن أن تتحقق من خلال علاقات عابرة غير مكلفة، هي “علاقات الجيب العلوي”[5] كما يسميها باومان؛ أي التي لا تحتاج إلى مجهود للاحتفاظ بها، وإنما هي في جيبك العلوي تخرجها متى شئت .

ولعلك تلحظ في سياقنا الإسلامي تكثف الحديث عن زواجات منخفضة الكلفة المشاعرية؛ كالمسيار والمسفار والزواجات العرفية . وهو ما يستوجب أن ينظر الفقيه من زوايا متعددة قبل الحكم وليس فقط النظر إلى صورة التعاقد المجردة، وتوفر الأركان الظاهرة والشروط .

باومان في الحب السائل -أيضًا- يقرر تزايد ظاهرة “الأزواج غير المنفصلين”[6]؛ الذين يعيشون في بيت واحد، لكن لكل منهما حياته المنفردة، ويلتقون للمبيت فقط . وهذا النمط موجود بصورة مخففة في بيئاتنا؛ والسبب هو انخفاض كلفة المشاعر المطلوبة فيه .

هذا هو السمت الثاني من سمات المشاعر الحديثة؛ ميلٌ إلى العلاقات العابرة أكثر من العاطفة المستقرة، نحن في عصر الاستهلاك وقطع الغيار كما تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت .

ثالثًا: الأنانية المعقلنة:

ثمة نغمة متصاعدة تتحدث أنك لست مسؤولًا عن إصلاح العالم، وتهون من شأن التعاطف الشعبي، وأنه استهلاك مشاعري؛ كل هذا يلبس جبة “النضج” وأن اتقاد مشاعرك في قضايا المجال العام فورة ستسكن، وجذوة ستخفت .

نحن هنا نفرق بين مستوى العمل؛ فهو مناط بالقدرة، ولستَ مسؤولًا عن إصلاح العالم فعلًا بهذا المعنى؛ وبين مستوى الشعور؛ فأنت مسؤول عن إبقاء دور الشهود الذي منحنا الله إياه ” وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس” [7] .

يصف كريستوفر لاش “الشخصية النرجسيّة” بأنه “يهمل التاريخ، ويغرق في التفاصيل الشخصية على المستوى اليومي” [8] . لقد وصلنا لمرحلة صار اللامبالاة علامة نضج وفهم واتزان .

رابعًا : الانطلاق :

تتكئ كثيرٌ من الإعلانات التجارية على ضخ مشاعر الانطلاق، “عيش حياتك” “اصرخ” “ارقص على أنغام صاخبة” “الحياة مغامرة” “جرب؛ لن تذوق الأومليت حتى تكسر البيضة” . كل هذه الشعارات تدعو للانطلاق؛ لم يعد ثمة مكان لمديح السكينة والاستقرار؛ بل هو جنون اللحظة والهوس الصاخب، وتسمية كل هدوء مللًا لايطاق .

وأحسب أن تعظيم فكرة التفاهة ومديحها جزءٌ من هذا السياق، لم يعد المراهقون وحدهم يشعرون بالانجذاب للشخص المنطلق المتهور؛ بل صار علامة على خفة الروح وفهم الحياة.

من الملحوظات اللطيفة؛ أن الإنسان يعيش في دوامة الوظائف والحياة المتسارعة والتوتر المدني، فيحتاج بين الحين والآخر إلى لحظات انقطاع عن هذه الأجواء؛ في زمن الانطلاق المشاعري لم يعد البيت الريفي خيارًا جيدًا، بل لا بد من نشاط صاخب كاللعب بألعاب هوائية تستخرج صراخك لتعود بعدها سعيدًا؛ هذا التحول لا ينقلك من توتر المدينة إلى سكينة الريف، بل ينقلك من توتر المدينة إلى توتر أعلى منه ثم تعود .

من زاوية أخرى أحب تفسير حفلات الطلاق -التي لم تكن مألوفة- من هذا المنظار؛ هوس الانطلاق والتحرر من قيود العاطفة الدائمة .

هذا أيضًا ينطبق على موجات التخفف من الحجاب، لقد صار الحديث عن الانطلاق وعيش الحياة وعدم القيود دعاية مؤثرة يطلقها خصوم الحجاب .

خامسًا : التهييج المستمر :

كتبت قبل أيام رسالة لصديق عن “خدعة الملل”؛ وأن الرتابة نعمة في أصلها، لكننا لجهلنا نبحث عن تهييج مستمر لمشاعرنا؛ ونصنع مع أرواحنا نفس طريقة “الوش” للقهوة؛ كلما ابتعدَت عن مصدر الإلهاب أعدناها .

هذا ما تصنعه التقنية؛ روابط لبرنامج “صراحة” حتى يظل في حالة إلهاب مشاعري دائم، هذه المشاعر قد تكون حبًا/عتبًا/ اهتمامًا/ شتائم؛ لا بأس؛ المهم أن يبقى الموقد مشتعلًا .

صورة فيسبوكية أو منشور تفاعلي بين الفينة والأخرى؛ وتظل روحه ملتهبة بانتظار التفاعل، وعيناه لا تفارقان الجهاز الذي يمده بالاشتعال اللازم.

يقول لكروا :

“حياتنا العاطفية تعاني من اختلال راجع إلى الإفراط في مشاعر الصدمة والنقص في مشاعر التأمل، ففي مجال المشاعر؛ لدى الفرد المعاصر ميول لانتقاء تلك التي تزوده بأقصى الإهاجات، فيفضل مشاعر الصدمة التي يصحبها الصياح، على مشاعر الصدمة التي يصحبها التنهد … حياته العاطفية هي عبارة عن حركة وليس عن خشوع، عن فعل وليس عن تأمل، تجري كمسلسل من الصدمات، بدل الامتداد في شكل هادئ من الجاهزية تجاه العالم”[9] .

وهذا ينسحب أيضًا على الحياة الجسدية؛ كيف تنحصر الرغبات الزوجية في اتصال أكثر غرابة؛ وبصورة متجددة دائمًا .

هل ثمة علاقة لهذا التهييج المستمر بتزايد الصخب والإيقاعات في الأغاني الشبابية عما كان قبل عقدين مثلًا ؟ أزعم أنه نعم . وللحديث ذيول أطول .

—————————

[1] للصديق الرائع الأستاذ عبدالله الوهيبي مقالات جميلة في هذا الاتجاه؛ هذا رابط مدونته :

https://aalwhebey.wordpress.com

[2] عبادة المشاعر ص22 .

[3] الحب السائل ص29

[4] عبادة المشاعر ص 138-139

[5] الحب السائل ص56

[6] السابق ص 72

[7] سورة البقرة آية 143

[8] انظر تقدمة الدكتورة هبة رؤوف عزت لترجمة كتاب “الحب السائل” ص13 وفيها تفصيل لثلاثة مستويات لتطوير فكرة النرجسية

[9] عبادة المشاعر ص123 .


4 thoughts on “المشاعر “الحديثة”

  1. للدكتور عبدالوهاب المسيري كلام جميل عن بعض المنتجات الحضارية وأن لها طابع بسيط وأنها تتسم بالسهولة لابالجمال وبالبساطة لا التركيب ( وأنها تساعد الإنسان على السرعة لا على التأمل تساعده على الانطلاق لا على التريث)

    إعجاب

اترك رداً على أبوناصر إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s