فكرة الاستعراض

نحن ننظر دائمًا لوسائل التواصل على أنها ساحة للاستعراض؛ فكيف نفهم التحولات التي طرأت على مفهوم الاستعراض، ملحوظات في التغير على تاريخ الاستعراض البشري أوجز الحديث فيها في نقاط .

التحول الأول: من رضا المجتمع إلى رضا الذات:

المألوف أن هدف الإنسان من خلال الاستعراض بمقتنياته وأحداث حياته هو الحصول على التقدير الاجتماعي، والمكانة والاعتراف من قبل السامعين؛ لكن ذلك لم يعد الدافع الوحيد للاستعراض، ففي عالمنا تنامى الشعور بأن الاستهلاك له دافع نرجسي ذاتي .

قدم “فيبلين” مفهومه عن الاستهلاك التفاخري والذي أكد فيه أننا “لانقوم فقط بإشعار الآخرين بأهميتنا، لا نقوم فقط بإثارة شعورهم نحو هذه الأهمية وإبقائه متيقظًا، ولكن أيضًا؛ نفعل شيئًا بالكاد هو أقل أهمية: نحن نقوّي ونحافظ على كل ما يجعلنا راضين عن أنفسنا”

يعلق ليبوفتكسي على ذلك قائلًا :

“عشق الترف لا تغذيه بشكل حصري الرغبة في نيل الإعجاب وإثارة الرغبة وأن يعترف بك الآخر؛ عشق الترف مستند أيضًا على الرغبة في الإعجاب بالذات (التمتع بالذات)، والتمتع بصورة نخبوية . لقد أصبح هذا البعد النرجسي مسيطرًا” (١)

التحول الثاني: من استهلاك السلعة إلى إشباع الرغبة:

يوحي لي الاهتمام بتأنيق الأغلفة وتصوير لحظة فتح الهدايا أن المراد من السلعة ليس فقط استهلاكها، بل الشعور الذي يمتلكك وقت فتح المنتج، وإشباع منطق الرغبة فيك .

“يعطي أحد الفلاسفة المعاصرين توضيحًا لذلك؛ مثال بيضة كيندر kinder التي يشتريها أطفالنا لما تحتوي عليه من مفاجآت؛ معظم الأطفال لا يكادون يأبهون بالشوكولاطة التي تغلف اللعبة، يتعامل الأطفال مع هذا المنتوج فيما وراء الاستهلاك؛ إنهم ينظرون إليه متجاوزينه كموضوع استهلاك، ما يربطهم به منطق رغبة وليس منطق استهلاك” (٢)

وهذا ما يتيح فهم فلسفة الموضة؛ وأن الأشياء لا تستبدل حين تبلى، بل بمجرد استخدامها صار قابلة للتغير بنوع آخر ينزل بعده .

التحول الثالث: الدخول في عالم السلعة:

من الذي يملك الآخر؟ هل نحن نستعرض بما نملكه؟ أم أن ما نعرضه يملكنا ؟

نحن نعيش في عالم تصنعه الماركات ودور الأزياء، نحن لا نقتني سلعة مجردة؛ بل نحوز معها نمط حياة أريد لنا، هذا “العالم الذي أصبح فيه كل شيء يباع ويشترى، أي سلعة الفرجة(٣) بالضبط هي اللحظة التي تحقق فيها السلعة احتلالها الكلي للحياة الاجتماعية؛ معنى ذلك أن العلاقة بالسلعة لا تصبح مرئية فحسب؛ بل إن المرء لا يعود باستطاعته أن يرى سواها، فالعالم الذي يراه هو عالمها، ليست الكوكاكولا والأديداس والنايك منتوجات نستعملها، ولاهي مجرد صور نراها أنى اتجهنا بأنظارنا؛ إنها عالمنا، عالم أوهامنا” (٤)

التحول الرابع: الترف حق مشاع للجميع:

الحديث عن الطبقية وتحولاتها وتشكل أنماطها يطول؛ لكن ما يبعث على التأمل هنا: أن الترف المعاصر لا يقتصر على طبقة معينة، يحاول الولوج لكل منزل بأدوات دعائية مختلفة، ويستبطن أن ذلك حق للجميع؛ فمن لا يستطيع الشراء نقدًا نوفر له خيار التقسيط، ومن لا يستطيع الشراء أصلًا نعطيه خيار الاستئجار، ليعيش لحظات تلذذ بالنمط النخبوي، وأن انعدام ذلك حرمان من حقك الطبيعي .

لقد ” فرضت الرفاهية وحب الذات نفسها كأهداف نهائية شرعية لعامة الناس، فمن حق كل أحد الحصول على الأفضل والأجمل، كل أحد يريد أن يتمكن من الاستمتاع اللامحدود ابتداء بالحاضر وبعجائب العالم .

لماذا لا نستفيد من أفضل ما يوجد على هذه الأرض؟ لماذا نحرم أنفسنا؟ باسم ماذا؟” (٥)

التحول الخامس: من الجودة إلى الفرادة:

من أساسيات النظر للاستهلاك الاستعراضي أنه فريد ولا يتأتى لكل أحد، ووفقًا لمفهوم الاستهلاك التفاخري عند فيبلين فإن ارتفاع أسعار المنتجات المصنوعة باليد ليس بسبب جودتها، بل بسبب قلتها وفرادتها وعدم انتشارها بين الناس، وإلا فقد يكون من آلات التصنيع ما يفوق مهارة الحائك اليدوي بمراحل؛ لكنها الفرادة .(٦)

حب التميز هذا يتجلى في شكل آخر من أشكال الاستعراض المعكوس؛ حيث يحب النجوم الاجتماعيون إبراز تفردهم عن أقرانهم عبر إظهار بساطتهم، و والمشي في الشارع دون حراسات، الأكل من مطاعم شعبية؛ فـ”هناك مستوى يستنفدُ فيه المرء جميع أشكال التميز ولا يبقى له لكي يتميز عن الجميع إلا أن يكون مثلهم” (٧)

التحول السادس: من الاستعراض بالثياب إلى الاستعراض بالجسد:

يقول ليبوفتكسي:

“الكلمة المفتاح لم تعد أن تظهر غنيًا؛ ولكن أن تظهر شابًا”

ويعلق إلييت رو على هذا:

“لم تعد الثياب تبلور رغبات تأكيد الذات اجتماعيًا كما كانت في السابق؛ لقد أصبح اعتناء المرء بنفسه، المحافظة على اللبياقة والشباب أهم من الملابس . من المفارق إذن في زمن حيث تبنى المجتمعات على منطق الإغراء والزائل أو حتى التفرقة الهامشية؛ أن يفقد اللباس أهميته لصالح الجسد الذي أصبح مقدسًا” (٨)

وهذا تراه في انتشار النمط البسيط من اللباس على حساب اللبس الرسمي المتكلف؛ إذ صار خفوت العرض المسرحي للباس مدعاة لظهور الاستعراض الجسدي .

ومن التمظهرات لذلك انحسار ميزانية الملابس مقابل عمليات التجميل ، وانتشار مراكز اللياقة وبناء الأجسام، وتنامي الأنماط الصحية في الأكل، وتكاثر عيادات الأسنان، وشيوع أمصال التخسيس، والتحسس الرجالي من الصلع والمبادرة لعمليات الزراعة، واعتياد عمليات التقشير وشفط الدهون؛ بل إني أرى أن انتقال المنتجات التجميلية للصيدليات رمزًا على تصاعد أهميتها لدرجة وضعت فيه مع الأدوية .

التحول السابع: من السعادة إلى تخدير القلق:

لقد صار الدوافع نحو الاستهلاك والاستعراض أعقد مما مضى، ومع كثافة الضخ الدعائي صار الشراء الاستعراضي أداة لتسكين القلق الإدماني .

يقول آلان دو بوتون :

“لعل أسرع طريقة للتوقف عن ملاحظة شيدٍ ما هي ابتياعه، تمامًا مثلما هي أسرع طريقة للتوقف عن تقدير شخص ما هي الزواج به أو بها . نستسلم لغواية الاعتقاد أن منجزات وممتلكات بعينها سوف تمنحنا رضًا مستديمًا … تبدو الحياة كأنها عملية متواصلة من استبدال قلق بآخر، ورغبة محل أخرى” (٩)

هذه بعض ملامح التحولات في فكرة الاستعراض، الأمر ليس صورة على “سنابتشات” أو “انستغرام” أو ” فيسبوك” بل أوسع من ذلك، وحتى لا يطول المقال فقد أرجأت الحديث عن زاوية الاستعراض المعرفي وما يتصل به من انتشار طقوسي لثقافة الكتاب والكتابة والقهوة السوداء .

كنت أعتقد ولا أزال أن تصوير المكتبات والطبعات هو المعادل الموضوعي للاستعراض الأنثوي السائد لماركات الحقائب والساعات .

—————

(1) الترف الخالد ص٥٩

(2) الكتابة بيدين لعبدالسلام بنعبدالعالي ص٥٢

(3) سياق الموضوع يشير إلى أنه يقصد بالفرجة المعنى الذي سطره جي ديبور في كتابه الذي ترجم ب”مجتمع الفرجة” ثم “مجتمع الاستعراض” لنفس المترجم : أحمد حسان، والحق أن الترجمة في الطبعين لم تكن مقبولة بيانيًا .

(4) ميتولوجيا الواقع لعبدالسلام بنعبدالعالي ص١٢

(5) الترف الخالد ص٦٦

(6) أشار لهذا المعنى “إلييت رو” في الترف الخالد ص١٢٧

(7) الكتابة بيدين ص٧٨

(8) الترف الخالد ١٣٣

(9) قلق السعي إلى المكانة ص٢١٦


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s