الجمال البائس

كان أبو العباس السبتي معروفًا بالتعبد والزهد وكثرة الصدقات؛ حتى لخّص أبو الوليد ابن رشد فلسفته في الحياة بقوله : ” هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود” [1]

رُويت عنه مسألة فقهية سلوكية عجيبة؛ قال ابن زرع الفاسي عنه :

” وكان -أي السبتي- يرى أن أهل الجمال من النساء الفقيرات تجب الصدقة عليهن مخافة فسادهن، وأن القبيحات لا يتصدق عليهن بشيء حتى يستغني الملاح” [2]

وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا القول إلا أن الحديث هنا منصبّ حول منطقة المصالح، وأن غواية من بها حظ من جمال أكثر فتنة ممن فقدت هذه الصفة؛ الأمر متفهم، ولست هنا لأتماجن .

لكني أدير زاوية الحديث إلى منطقة داخل النفوس، نستطيع أن نقترب من إدراك الفكرة بهذه التساؤلات؛ لماذا تنتشر صور الأطفال الفقراء ذوي الأعين الملونة مصحوبة بحسرة مضاعفة على أحوالهم؟ أليس الفقير قليل الجمال الظاهر في بؤس مركّب؛ وحقه أن يشفق عليه أكثر ؟ أنا لا أنكر الأمر؛ لكني أتهادى لأجلي الغبش عن فكرة العلاقة بين أثر الانفعال الجمالي على زيادة التعاطف .

النفس البشرية معقدة التركيب، ومحاولة تفسير هذا النوع من الظواهر لا يكون بإلقاء سبب أحادي، هي مزيج مختلط بنسب متفاوتة بين إنسان وآخر .

أزعم أن من أسباب زيادة التعاطف مع الفقراء ذوي الأشكال الحسنة تعصبٌ خفي داخلنا؛ نرى أن هؤلاء يستحقون حياة أفضل، بخلاف قليلي الجمال، فقد نرى الأمر معتادًا ومتسقًا مع الصورة الذهنية المسيطرة علينا؛ فالجمال مع الغنى، والدمامة مع الفقر، وعليه؛ فرقّة الملامح تناسب رقة العيش، حتى صرنا نعجب من حالات الاستثناء .

من الأسباب أيضًا؛ أن الصورة الحسنة أقدر على النفاذ لداخل النفوس، وصنع الانفعال، ونتيجة الانفعال هنا ستكون شفقة لا إعجابًا، مع أن دخول بوابتك الداخلية كان ببطاقة الجمال نفسها . هذا تفسير “نيوروسيكولوجي” يهتم بمنطقة الانفعال والأعصاب داخل المخ .

سببٌ ثالث أجده حاضرًا؛ وهو أن ثمة حالة تقمص، تتخيل بها نفسك مكان هذا الفقير؛ إذ إن تمني الجمال نازع بشري، وكلنا يتمنى نفسه جميلًا أكثر مهما بلغ رضاه، والتقمص للجمال يجعلنا هنا نتقمص الفقر أيضًا، لذا نرقّ ونحزن .

سبب رابع أختم به؛ وهو أن ثقافة الصورة جعلت أصحاب الوجوه الحسنة هم واجهة الدعاية لأي فكرة، فنحن نميل للسلعة بسبب ما صاحبها من حسن عرض؛ وهذا يجعل الرأسمالية الخيرية تضع صور الفقير الأجمل، رضوخًا لسلطة الموديل وتأثيره في الثقافة الشعبية .

لهذه الأسباب وغيرها؛ يكون الإنسان في حالة انفعاله الجمالي -لأي سبب كان- أقرب للرقة منه إلى العنف، وأشبه بالباكي منه للضاحك، وتعاجيب النفس البشرية لا تنتهي، والمقصد تتبع خيط استاطيقي نفسيّ لاح من فتوى السبتي السابقة؛ حول مسألة الأثر الانفعالي الجمالي وعلاقة بزيادة مستوى الرحمة، لم يقصده أبو العباس ابتداء ولا انتهاء، لكننا سحبناه بيد التحليل والتفصيل .

————————

[1] انظر قصة هذه المقولة في النبوغ المغربي لعبدالله گنون ( 1 / 150 – 151) .

[2] الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ص39-40 .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s