كيف تشكلت فكرة قداسة الفنون؟

“إننا نلج في هذا العدد عبر طريق الفن المقدّس، وبالضبط ذلك؛ لأن الفن مقترنٌ منذ جذور الإنسانية والرسومات الصخرية الأولى، بالبحث عن الحماية وعن التواصل مع السحري أو الإلهي، ففي حضارات الماضي؛ تؤدي الأعمال الفنية وظيفة مقدسة، وغالبًا ما تشرف الطقوس على ميلادها”

هكذا استفتتحت الفرنسية فرانسواز كريمو عدد مجلة “بندورا” بمقالها المعنون “من المقدس إلى القداسات” .

قداسة الفنون لا أعني بها تحديدًا الفنون التي ارتبطت بطقوس دينية؛ لكني أعني بها حالة المبالغة في تقدير منزلة الفنون في الوعي البشري حتى حصل لها نوع قداسة .

قبل نحو قرن من الآن أتى دوركايم ليرد على العداء الفولتيري للدين، وكل المقاربات المعاصرة عن مفهوم “المقدس” فلابدّ أن يستحضر ما سطره عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم في كتابه التأسيسي “الأشكال الأولية للحياة الدينية” [1]  .

في محاولته لتعريف الدين -حامل المقدس- نأى دوركايم عن فكرة الغامض والخارق، وبدأ يفتت تلك الأجزاء في النظر لفكرة الاعتقادات والطقوس .

يرى دوركايم أن العنصر فوق الطبيعي ليس شرطًا في تعريف الدين؛ فالبحث يكون في الموقف النوعي للبشر من بعض الظواهر التي تميزها عن ظواهر أخرى .

هذا يؤكد الطبيعة الاجتماعية لمشاعر القداسة؛ حيث يعد السلطة الأخلاقية التي يمارسها المجتمع على الفرد مصدر المواقف المقدسة، والتي بمقتضاها عُدّ بعض الأشياء رموزًا لقوة مقدسة ومتفوقة أخلاقيًا، وعليه؛ فيمكن لأي شيء أن يكون مقدسًا : الأشياء المادية والأشخاص والأزمنة والأمكنة .

ويقرر أن تحول شيء عادي إلى شيء مقدس يتمّ  بوساطة قوة أو سلطة معممة ومنتشرة .

هذا التوسع في تصنيف الدين الحامل للمقدس يجعل الإنسان يعيد النظر في كثير من المفاهيم التي يحيطها الناس بهالة من التعظيم؛ ومنها فكرة الفنون .

لو أن شابًا وفتاة -أجنبيان عن بعضهما- تعانقا في أحد شوارع بلد مسلم، ثم صورهما مارٌ ونشرها في وسائل التواصل؛ لتعالت صيحات النكير والرفض، لكن لو كان الكاميرا المصورة للمشهد لمخرج تلفزيوني، ضمن سيناريو معد لمسلسل أو فيلم؛ وحدث نفس الفعل، في نفس الشارع، لنفس الأشخاص؛ لعد هذا المشهد فنًا عليك أن تتلقاه بهدوء وتأثر . هذا المثال التخيلي يسوق في ذهني كثيرًا من الأسئلة حول قداسة الفنون؛ ما الذي يجعلها تحمل بطاقة عدم تعرض حين توقفها نقطة تفتيش أخلاقية/ دينية ؟

لو تفكرنا قليلًا؛ ما سر تعظيم الفنون والحديث عنها بلغة خاشعة؟ لماذا عند كل حادث عنف يبحث في الأسباب فيأتي من يوصي بتكثيف ضخ الفنون؟ وحين الحديث عن سبل التقدم يأتي من يوصي بتكثيف ضخ الفنون؟ وحين النقاش حول تهذيب الأخلاق الفردية/ حل المشكلات الزوجية/ مقاومة اليأس والاكتئاب/ تجديد الخطاب الفقهي/ إنهاء الحروب تأتي التوصية بتكثيف ضخ الفنون؛ من أين لهذا المفهوم “السحري” أن يحل مشكلات بهذا التباين والعمق ؟

جمعتُ مجموعة من الأفكار في تاريخ الفنون شكلت بمجموعها هذه القداسة للفنون/الفنانين، الفن الذي زحف من كونه زينة على هامش حائط معبد إلى أن أصبح المركز الذي دفع بالدين إلى الهامش الذي كان فيه؛ في تبادل أدوار مثير للاهتمام .

الفكرة الأولى:  التفريق بين الجمال الطبيعي والجمال الفني:

الجماليات والفنون بصورة عامة تعنى بالقيم الجمالية التي تبدو من خلال عمل فني، أي أن الفنون تفرق بين مقامين: مقام الجمال الطبيعي، ومقام الجمال 

الفني .

مناظر الأزهار والأنهار والجبال جمال طبيعي، والفنون الكلامية والصورية 

والصوتية جمال فني؛ علم الجمال يعنى بالثاني و هذا فارق تأسيسي .

يقول شارل لالو: “إن الطبيعة ليس لها قيمة جمالية إلا عندما تنظر إليها من 

خلال فن من الفنون، أو عندما تكون قد ترجمت إلى لغة أو إلى أعمال أبدعتها عقلية أو شكلها فن وتقنية[٢]”

التفريق بين الجمال الفني والجمال الطبيعي له جانب آخر؛ يجليه هذا التساؤل:

لماذا نرى ازدحام السياح على أماكن قد تكون غير مهمة للساكنين الأصليين لماذا تنجذب الأبصار السياحية إلى البيوت القديمة، الحواري الضيقة، الكهوف  الغريبة .

السبب أنهم ينظرون ويستحسنون هذه البقع بعين الجمال الفني، أي أنها 

عندهم كلوحة أو تمثال، تبعث الدهشة والإحساس بالتفاعل الجمالي .

لكن لو خُيّر أحدهم في سكنى دائمة ببيت طيني مثلًا لرفض ذلك؛ إننا نفرق بين الجمال الفني الذي قوامه المتعة، وبين الجمال الطبيعي الذي قد نضيف له شرطًا خارجًا كالمنفعة، فنحن نبحث عن بناءيحقق مصالح الإنسان للسكن، 

من حيث توفر سبل الراحة والأمان؛ بينما نميل في النظر الفني إلى جانب المتعة والتلذذ .

الفكرة الثانية: النشأة الدينية لبعض الفنون [٣] :

لا يمكن تحديد نقطة البداية للفنون بصورتها المعروفة؛ تشير الصور إلى أن ثمة صورًا اكتشفت في صخور إسبانيا، وفي جنوب فرنسا رسومات يعتقد أنها 

من العصر الجليدي، لقد كانت صورًا لماموث وثور وحيوان الرنة، يعتقد 

الأركيولوجيون أنهم استخدموا العظم والأحجار في رسمها.

كان الصيادون يرسمون الحيوانات اعتقادًا منهم بقوة الصور، وأن الصياد حين يصيب الصور برمحه سيجعل الحيوان الحقيقي يستسلم؛ هذا تخمين مرسل في

 الحقيقة، لكن اعتقاد التماهي والأثر بين الصورة والواقع موجود في الإنسان،

 وتأثرت به كثير من المعتقدات، لا زال إنسان هذا اليوم عاجزًا عن إصابة 

صورة شخص عزيز في عينه مثلًا؛ دون تقديم مسوغ، وقل مثله في فكرة الصورواعتقاد القوة وتأثير السحر بها .

في مصر تقف الأهرام شاهدة على حكاية اعتقادات موغلة في القدم، تحكي عن بلاد كانت منظمة تنظيمًا شاملًا، وتحكي عن الملوك الذي كانوا من

 الثراء والقوة بحيث استطاعوا أن يرغموا آلافًا من العمال على العمل القاسي، كانوا يجهدون أنفسهم في اقتلاع الأحجار، وجرها إلى موقع البناء، ونقلها بوسائل بسيطة؛ لم تكن الفكرة بناء قبر للملك فحسب، بل كانت تنطوي على اعتقاد بألوهية الملك؛ فانتقاله عن الدنيا لا يجب أن

يكون إلى الأرض، بل في مكان يعينه على السمو والارتقاء .

 وكانوا بالتوازي يعتقدون أن الجسد يجب أن يحفظ لكي تحيى الروح في العالم الآخر .

هذا ما جعلهم يحمون الجثث بالتحنيط المتقن، ويلفونها بقطعة طويلة من 

القماش، ويكتبون في حجرة الدفن رقًى وتعاويذ تعينه على الرحلة في العالم 

الآخر .

هذا لم يكن كافيًا باعتقادهم؛ لذلك أمروا النحاتين أن ينحتوا لرأس الملك

 تمثالًا من الغرانيت الصلب غير القابل للفناء، ويضعونه في القبر حيث لا يراه أحد . ومن اللطيف أن كلمة ” نحات” في اللغة المصرية القديمة تعني: الذي 

يُبقي على الحياة .

في العراق كان الآشوريون والبابليون قد أقاموا ممالك عظيمة، سجلت لها 

بعض الآثار الفنية لها .

المثير للاهتمام أنها لم تُحفظ تمامًا كما حدث مع الأهرامات المصرية، بل بنيت مبانيهم وقبورهم بالآجر الذي يبلى مع الوقت . وكان النحت عندهم نادرًا 

نسبيًا؛ السبب في ذلك أنهم لم ييعتقدوا كالمصريين بفكرة حفظ الجسد والروح للعالم الآخر .

كان ملوك بلاد الرافدين يدفنون مع عبيدهم وأهاليهم جميعًا؛ ليترافقوا في العالم الآخر؛ لكن دون اعتقاد يخص الجسد وحفظه .

في اليونان لا أحد يعلم على وجه الدقة من هو الشعب الذي سيطر على

 جزيرة كريت، والذي جرت محاكاة فنه في بلاد الإغريق؛ خاصة في ميسينيا؛ تشير الاكتشافات إلى أنه كان شعبًا قادمًا بالغزومن أوروبا، ويكلم لغة 

إغريقية قديمة، لم تبقَ فنونٌ تروي هذه الوقائع غير أشعار وأغان؛ هذه القصائد

عرفت بقصائد هوميروس .

في أثينا – قريبًا في القرن السادس قبل المبلاد – بدأت تُشاد المعابد الحجرية الأولى في اليونان .

بلغ الفن الإغريقي ذروته بعد دحر أثينا الغزوَ الفارسي، شرع الشعب تحت 

قيادة بركليس في إعادة ما دمره الفرس، كانت المعابد لاتي على صخرة أثينا 

المقدسة قد أُحرقت ونهبت من قبل الفرس عام٤٨٠ قبل الميلاد . 

كان لابد من بنائها بناء رائعًا فخمًا؛ يليق بأمة منتصرة، مع الوقت تكون 

الفن الهيليني الشهير .

بعد ذلك؛ أتى الفن الروماني على أنقاض الفن الهيليني، كان أبرز سمة في فن

 العمارة اليوناني استخدام الأقواس؛ فأقيمت أقواس النصر في إيطاليا وفرنسا 

وشمال إفريقيا وآسيا .

أخذ الرومان ما يحلو لهم من العمارة الإغريقية، وطبقوه وَفق حاجتهم، كانوا يهتمون بالصور المماثلة، أي التمثيل التي تشبه الصورة البشرية، كانوا يحملون في جنائزهم صورًا شمعية للأسلاف،لاعتقادهم أن ذلك مرتبط باعتقادات تزعم أن ذلك يحفظ روح الميت .

الملحوظة المنهجية التي أريد أن تمسك بها من هذا السرد التاريخي: أن بعض 

أنواع الفنون كالنحت والرسم والعمارة نشأت من رحم خلفيات دينية، فقد 

كان ينظر لها بعين الطقوسي المتعبد .

الفكرة الثالثة : من الحرفي إلى الفنان

المدخل اللساني العربي ملهم لفهم الأفكار؛ ففي العربية استعملت كلمة “فن” حديثًا، عوضًا عن كلمة “صناعة” المتعارف عليها 

قديمًا، فيقال “صناعة الأدب” أي: فن الأدب .

وأضحت هذه الكلمة، المصطلح الفني لهذا المعنى بعد أن اختارها المؤلفون 

عنوانًا لكتبهم، فهذا أبو هلال العسكري يضع كتابه «الصناعتين: النظم 

والنثر»، ويستعملها القلقشندي في عنوان كتابه المشهور «صبح الأعشى في 

صناعة الإِنشا»

وهذا يؤكد أن كلمة “صناعة” تنازلت عن جزء من دلالتها لصالح كلمة “فن”؛ هذا مدخل مهم .

فالشرارة الأولى تبدأ من هذا التحول؛ حيث تحول الصانع المعلم إلى الفنان الملهم .

يصف الفيلسوف الفرنسي مارك جيمنيز السياق المكون لفكرة الفنان؛ كيف تكونت عندنا فئة اسمهم “الفنانون”يقول في نص مهم:”علينا أن ننتظر نهاية 

القرن الخامس عشر لكي نشهد في الانتقال من نمط إنتاج حرفي إلى نمط إنتاجرأسمالي، وتأثير ذلك بشكل حاسم على رتبة الفنان . 

إن تحرر المصورين والنحاتين التدريجي منالجماعات المهنية، ومن نمط عملها 

الإقطاعي؛ يشكل في هذا الخصوص حقبة مهمة، والعديد من العوامل تشهد بذلك، والعقود بين صاحب الطلبية والفنان تتخذ أشكالًا شخصية، لدرجة

 أن الفنان باتيملك حرية غير مسبوقة في الحركة . 

هذا يظهر على سبيل المثال في حرية اختيار الفنان لموضوع التصوير والألوان، بل في أكثر من ذلك : فنحن نعرف على سبيل المثال أن مايكل أنجلو

 بات يملك الحق في حوالي عام ١٥٣٠ في بت ما إذا كان سينفذ المطلوب منه في لوحةأو في تمثال، هذا بينما كان سعر اللوحات يرتفع عاليًا، والسعر  الذي كان تحديده طبقًا للمواد المستعملة في العمل، ماعاديتعين وَفق الكلفة 

الحقيقية لإنتاجه، بل بات حرًا؛ أي تتصل قيمته بسمعة الفنان/ المعلم وموهبته، وهو الذي أصبح محل تجاذب بين الأمراء والمدن [٤] “

هذا الانتقال من الصناعي إلى الفني لا يقتصر على ذلك السياق الزمني، بل 

كما يبدو أنه حتمي لتشكل الفنون، ففي محاولته لرصد التحول في تاريخ 

الموضة يقرر ليبوفتسكي في كتاب “مملكة الموضة زوال متجدد[٥]” نفس 

التراتب فيقول:”قبل عام ١٩٣٠ كانت بيوت الأزياء الكبرى تقدم تشكيلات ثرية كل موسم تتألف من ١٥٠ إلى ٣٠٠ موديل جديد، وفي سنوات

 ١٩٥٠ حيث يتنوع المعدل المتوسط كذلك بين ١٥٠ و٢٠٠ كانت الابتكارات الشتوية في باريس تقدر ب١٠ آلاف نموذج .

إن الانفصال عن الماضي واضح وقاطع: حيث الحرفي “الروتيني” والتقليدي؛

 أي الخياط، أصبح “عبقرية” فنية حديثة . 

حتى تلك اللحظة كان مصمم  الأزياء أو الخياط صاحب مبادرات محدودة، وكاناستخدام “الباترون” لزوميًا، 

والتصميم العام للملبس، وعناصره الأساسية كانت لا تتغير تقريبًا طوال فترة 

ممتدة، ماعدا بعض الأجزاء هي التي تتسم ببعض التحديث والابتكار .

كما ينبغي انتظار ظهور “بائعي وبائعات” الموضة … ثم قال استطاعت 

شانيل نفسها أن تطلق لاحقًا عبارة “فلنصمم الثوب أولًا، ثم نصمم عناصر الزينة” اهـ

هذا التهيؤ الاجتماعي خلق فئة جديدة اسمهم الفنانون، ارتقت طبقيًا عن 

الصانع المنفذ إلى المبدع الملهم .

وهو ما يفسر ظاهرة انتقال التزيين من مرحلة المزينة القابعة في زاوية الصالون 

إلى مرحلة الفاشنيستا وخبيرات التجميل ذوات المكانة الاجتماعية الأرقى من سابقيهم .

الفكرة الرابعة: بومغارتن وتأسيس علم الجمال[٦] :

مع ألكسندر بومغارتن يظهر العلم بالمحسوس تحت عنوان “الاستطيقا”  وهو عنوان كتاب بومغارتن الذي صدر عام ١٧٥٠ في جزئين، الاستطيقا تعني في اليونانية “الإحساس” “أو “الشعور” .

في هذا الكتاب جرى الإعلان عن الاستطيقا بوصفها علم المعرفة الحسية، أي علم الفن المماثل للمنطق، تتعلق أطروحته بالمصالحة بين الحقيقة الحسية والحقيقة الشعرية .

لقد أراد بومغارتن إخضاع الجمال إلى الحكم الحسي الذي يعتبره ملكة مماثلة للعقل .

يعد بومغارتن الاستطيقا نوعًا من التربية المستنيرة التي تدرب النفس على المعرفة الحسية الجميلة .

الفكرة الخامسة : إيمانويل كانت والحس الجمالي المشترك[٧] :

يعد كتاب “نقد ملكة الحكم” الصادر عام ١٧٩٠ بمثابة خطة تأسيس حاسمة لإطار علم الجمال، حيث أعلن كانت عن استقلال ميدان الجميل عن حقل المنطق وعن حقل الواجب الأخلاقي معًا .

الحكم الذوقي الجمالي عند كانت قائم على ثلاثة أركان :

1- الحيادية : فهو يرى أن حكم الذوق حكمٌ حيادي منزه عن كل غرض أو منفعة، وهو بذلك يفارق مذهبين آخرين: التجريبيين الذي يربطون الجمال بالحس، والنفعيين الذي يربطون الجميل بمسألة النافع .

2- الكلية: فالجمال عنده حكم كلي، فحين يقول : الغروب جمل، فهو يفترض أن هذا حكم كلي مستند للمشترك الجمالي عند البشر . 

والجميل عنده ليس جميلًا لأنه ممتع، بل هو ممتع لأنه جميل، أيأن الحكم 

الجمالي يسبق المتعة .

3- الإضافة: يرى كانت أن الجميل ليس حكمًا منطقيًا عمليًا، فليس هو لشيء في المرئي وحده، ولا لشيء في الرائي وحده، بل هو مزيج ثالث مستقل منهما .

الفكرة السادسة : شيلر والمصالحة بين الغرائز والمثل العليا[٨]:

أتى كتاب “رسائل حول التربية الجمالية للإنسان” عام ١٧٩٤ لكاتبه 

الفيلسوف الألماني فريدريتش شيلر ليضيف بعدًا سياسيًا لعلم الجمال .

يعترف شيلر بأنه كتب هذه الرسائل تحت راية الجماليات الكانتية، وقد حرص على المصالحة بين المحسوس والمعقول، والنظري والعملي .

لقد طوّر شيلر فكرة “الحس المشترك” عند كانت إلى فكرة “الجماعة المشتركة” المتصالحة مع الجمال عقلًا وحسًا .

يرى شيلر أن أزمة مّا في الحداثة يمكن علاجها ببرنامج تربوي وسياسي        استاتيكي يهدف إلى إعادة ترتيب فوضى الإنسان الحديث؛ “ثورة في الإحساس” على حد تعبير هابرماس .

الفكرة السابعة : شيلينغ وتقديس الفنون[٩] :

من منا لا يلاحظ فكرة “تقديس الفنون” في الوعي المعاصر ! لقد صار الفن حلًا لكل مشكلات الإنسان، فهو يهذب الغرائز، يرسمون للفن رسالة ما 

ورائية أو لاهوتية، يرون أن الفن يمكننا من بلوغالمطلق، والحقيقة، والكائن، 

والإله . 

وهي بذلك ترى الفن له رؤية كونية، وهي بشكل أو آخر دين جديد .

صدر كتاب “فلسفة الفن” عام ١٧٩٩ وفيه تحدث شيلينغ عن قداسة غير   مسبوقة للفنون، يعرف فلسفة الفن بأنها “علم الكل في شكل الفن” ، “عرض العالم المطلق في شكل الفن”، و “الكون في هيئةالفن”. تقول الدكتورة أم الزين بنشيخة في كتابها “تحرير المحسوس” عن شيلنغ:”إن هذا التمجيد العالي للفن بوصفه تجسيدًا للفكرة اللفلسفية في أقصى ما  تملك من قوة، يصل عند شيلنغ إلى حد اعتبار الأفكار هي قماش الفن ” .. 

وتقول :”حسب شيلنغ ففي مستطاع العمل الفني أنيمسك بكل ما في الحقيقة من القوة بل هو ينقل الفكرة الفلسفية إلى حضن العالم[١٠] ” اهـ

الفكرة الثامنة : هيغل وإعادة ترتيب علاقة الفن بالمحسوس[1١] :

تتعلق بلحظة الفيلسوف الألماني الشهير هيغل؛ لم يعد الأمر يتعلق بثنائيات   كانتية من قبيل الذات والموضوع، المفارق والمحايث، داخل حدود العقل وخارجحدود العقل .

لقد أدخل الفن ورشة الفينومولجيا، فينومولوجيا الروح التي ترصد تجلياته       ومساراته . لقد أثار هيغل من جديد العلاقة الملغزة بين الفن والدني، وبين     الفن والروح .

مذهبه قائم على ثالوث فلسفي يقوم على : المنطق، وفلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح .

وهو يرى درجة الجمال في الفن تعتمد على مدى تطابق المضمون والشكل    وتعيينات الفكرة على الواقع، ثم تماهيها في “المثال” كجوهر واحد .

وعلى هذا الأساس صور هيجل أشكال هذه العلاقة التي تربط بين الروحي    والحسي في الفن في ثلاثة أشكال :

1- المرحلة الرمزية: وفيها ساد الفن المعماري .

2- المرحلة الكلاسيكية: وفيها ساد فن النحت .

3- المرحلة الرومنسية : وفيها ساد الرسم والموسيقى والشعر .

البداية من العمارة .

الفكرة التاسعة : جماليات القبح وثيودور أدرنو[1٢] :

يعد ثيودور أدرنو أهم أهم فلاسفة مدرسة فرانكفورت، ألف كتابًا اسمه “النظرية الجمالية” عام ١٩٧٠ . تحدث فيه بنوع من السوداوية والتشاؤم عن أن 

الحضارة باتت تنشر القبح في كل مكان، وأنالفن تحول من ميدان الثقافة إلى ميدان بضاعة تباع وتشترى .

الفكرة العاشرة: اللاستاطيقية وألان باديو[1٣]:

في كتاب “موجز في اللاستاطيقا” صدر عام ١٩٩٨ حاول الفيلسوف الفرنسي ألان باديو إعادة النظر في مفهوم الفن، يضعنا أمام ثلاث خلاصات       أساسية : أولًا : الفن لم يعد موضوعًا للفلسفة بل صارموضعًا لإنتاج الحقيقة . ثانيًا: ينبغي تحرير الفن من الإطار الحديث الذي اختزل الفن بالذوق والمتعة  التي لا منفعة فيها . 

ثالثًا: علينا دفع الفن والفلسفة معًا إلى شكل جديد من  المصالحة بعيدًا عن   إقصاء أفلاطون للشعراء وبعيدًا عن العبادة الرومنسية للفنون.

هذه الأفكار العشرة جعلت الفنون/ الجماليات تنال هذه المكانة المقدسة، نحن أمام تحول بين الأصل والهامش؛ كان الدين أصلًا والفنون خادمة للطقوس، ثم استقلت وأخذ مكانة صغيرة بوصفها زينةعلى حائط المعمار الديني، ومع   الوقت تمددت الفنون حتى انحسر الدين في المجال العام لحسابها .

تزداد الفنوية حضورًا بوصفها دينًا؛ فهي تحسن وتقبح، تهذب الغرائز، تحل     المشكلات، تعالج الآفات، تصيغ التصورات، توصلنا بالحقيقة بذاتها .

ربما أحترز هنا منعًا لسوء الفهم؛ انتقادي للعلموية لا يعني إنكار أصل العلم، وإنما هو اعتراض على التديين وتزييف المكانة، وحين أنتقد الفَنوية فأنا-أيضًا-لا أعني طمس الجمال؛ لكني ضد المبالغات الإنشائية وتديين الفنون، وقصارى ما أعتقده في الفنون أن المباح منها رحمة تمدنا بالانفعال الجمالي الذي يرمم ضعفنا البشري، وأنه -كسائر اللذاذات- لا يمكن أن يصلح العالم إذا رفعناه فوق منزلته، وبالغنا في إسباغ القداسة عليه .

—————————–

 [1] ينظر: قراءة نقدية في كتاب الأشكال الأولية للحياة الدينية لإميل دوركايم، مقالة لحسن احجيج، نشرت على موقع حكمة .

[٢] مبادئ علم الجمال، شارل لالو، ترجمة: مصطفى ماهر ص٧، 

وينظر:  كتاب ما الجمالية لمارك جيمينيز، ترجمة: د. شربل داغر ص١٤٦-١٥٦ ، وكتاب الجمال، روجر سكروتون ص٧٩ + ص١٢١

[٣]  ينظر: قصة الفن لأرنست غومبرتش، ترجمة: عارف حديفة ص٣٩- ص١٣١ .

[٤] ما الجمالية ص٥٣، ترجمة: د. شربل داغر

[٥] ص٨٤-٨٥

[٦] التفضيل الجمالي، د. شاكر عبدالحميد  ص١٨-٢١، مدخل إلى علم الجمال وفلسفة الفن، د. أميرة حلمي مطر ص١١-١٥، تحرير المحسوس لأم الزين بنشيخة المسكيني ص١٧-١٩

[٧] تحرير المحسوس ص١٩، فلسفة الجمال أعلامها ومذاهبها، د. أميرة حلمي مطر ص١٠٧-١٢٢، نظرية كانط الجمالية مقالة لمحمد شفيق شيا نشرتها مجلة الفكر العربي عام ١٩٨٧ وجدتها بواسطة موقع حكمة .

[٨] تحرير المحسوس ص١٩-ص٢٠ ، وقد صدر  العام الفائت كتاب “فلسفة الجمال والفن عند فريدريتك شيللر ، د. بشرى عباس .

[٩] تحرير المحسوس ص٢٠-٢١

[١٠] ص٢١

[١١] تحرير المحسوس ص٢٢ وما بعدها،  فلسفة الجمال أعلامها ومذاهبها، د. أميرة حلمي مطر ص١٢٣-١٤٣، فلسفة الجمال لدى هيجل مقالة لسليمان السلطان منشور في موقع حكمة .

[١٢] انظر : تحرير المحسوس ص٢٧، تاريخ القبح مقالة لجريتشن إي هندرسون مقالة ترجمها: أ عمرو بسيوني لموقع حكمة،  وقد نشرت صحيفة لوس أنجلس تايمز في ١٨ نوفمبر ٢٠٠٧ مقالة لأمبرتو إيكو عن تطور القبح كمفهوم جمالي، وأشاروا إلى أنه طليعة كتاب يعده إيكو حول الموضوع .

[١٣] تحرير المحسوس ٢٧-٢٨ .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s