تحريم الجديد .. وشماعة الهروب

يكثر الحديث هذه الأيام عن فكرة أن الخطاب المشيخي المحلي كان سبب التخلف لتحريمه كل جديد، ويتداول في الفضاء العام قصاصات لفتاوى تحرم بعض الظواهر الحديثة، فيأتي الحل بأن أولى خطوات التقدم في اطراح هذا الخطاب الديني؛ وأن أبواب النهوض مشرعة شرط إلقاء آخر عمامة عند هذه العتبة .

يستند أصحاب هذه الفكرة على دعاوى أساسية؛ تقال بلسان الحال وأحيانًا المقال :

الدعوى الأولى:

أن التحريم هو الأصل الغالب التعامل مع المخترعات الحديثة عند شيوخ تلك الحقبة .

الدعوى الثانية:

أن الممانعة للمخترعات كان حصرًا على هؤلاء المتفقهة .

الدعوى الثالثة:

أن الممانعة المشيخية كانت سبب ما نحن فيه من تأخر صناعي وتقني .

وهذه دعاوى سنحللها ونخرج بنتائج أكثر إقناعًا من الدعاوى السائدة؛ كما سترى :

أما الدعوى الأولى: فالأصل لم يكن التحريم لهذه المخترعات، والتدليل على هذا بأمرين :

أ- الإباحة النظرية :

يقتضي البحث المنصف مراجعة مدونات من عاصروا دخول المخترعات الحديثة لبلادنا، وها نحن أمام نصين لعالمين عاصرا دخول المخترعات لنا .

يقول الشيخ الفقيه عبدالرحمن السعدي رحمه الله (ت:عام 1376 الموافق 1956) :

تحت قاعدة ( الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة)

“ويستدل بهذا الأصل العظيم والقاعدة الشرعية على أن علوم الكون التي تسمى العلوم العصرية وأعمالها، وأنواع المخترعات النافعة للنّاس في أمور دينهم ودنياهم أنها داخلة فيما أمر الله ورسوله، ومما يحبه الله ورسوله، ومن نعم الله على العباد لما فيها من المنافع الضرورية والكمالية، فالبرقيات بأنواعها، والصناعات كلها، وأجناس المخترعات الحديثة تنطبق هذه القاعدة عليها أتم الانطباق ” [1]

ويقول الشيخ المفسر عبدالرحمن الدوسري -رحمه الله- (ت: 1399 الموافق 1979) :

“وجميع هذه الكشوف والمخترعات ليست هي التي توجه الحياة أو تحكمها وإنما يحكمها طريقة الاستفادة من ذلك حسب نور الله أو التخبط في الظلمة ، أفي سبيل الخير أو الشر ؟ وفي سبيل السلم أو الحرب؟ ” [2]

ب- الإباحة العملية:

عند دخول المايكروفون للبلاد كان من أوائل من استخدمه الشيخ الفقيه عبدالرحمن السعدي -رحمه الله- حيث خطب الجمعة الرابع من شهر صفر عام 1374 الموافق لبدايات أكتوبر عام 1954 باستخدام المايكروفون [3] .

الطريف في الموضوع أن تلك الفترة تزامنت مع حدث دال؛ حيث تروي مجلة العربي الكويتية أن المطربة الشهيرة أم كلثوم حين عرض عليها المايكروفون في منتصف الخمسينيات الميلادية طوحت به ورمته أرضًا [4]؛ موقف فردي ذوقي ولا شك، لكن ماذا لو كان الشيخ من رماه، والمطربة من استخدمه؛ هل كان التعاطي مع الحادثتين بنفس النبرة؟ .

هذه الدعوى الأولى سقطت نظريًا وعمليًا، ولا تعجل حتى نتم البقية .

الدعوى الثانية: أما حصر الممانعة للمخترعات بطلاب العلم وحدهم فأمر لا تسانده الأحداث التاريخية .

يروي الأستاذ أمير بُقْطُر [5] في مقالة نشرتها صحيفة الهلال كيف كانت الممانعة سمتًا لكثير من المجتمعات التي توصف اليوم بالمتقدمة؛ وأنا ألخص بعض الأحداث التي رواها :

كتب أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي في مارس (1825) الكتاب الآتي تعليقًا على أول اقتراح في البرلمان لإنشاء أول خط حديدي في إنجلترا :

” لقد اتضح لي في ختام الأمر أن صاحب الاقتراح ذاهب العقل لا مشاحة … ويزعج -أي القطار- عباد الله بدخانه الكثيف بين مانشستر وليڤربول، والحمد لله فقد خُنق ذلك الشيطان الملعون في مهده، إذ جاءت أصوات الأغلبية الساحقة ضده وانسحب أصحاب الاقتراح غير مأسوف عليهم” .

قال أحد النواب الإنجليز ردًا على مقترح إدخال البخار في الأسطول “يا حضرة النائب المحترم نأبى أن نغلي غليًا ونحن على قيد الحياة”

لما أُدخلت نظم التدفئة وأنابيب الماء وشيدت المنازل العالية ذات الأدوار العديدة في روما استشاط سفيكا الحكيم الروماني غيظًا وقال ” إنها خطر داهم على الأخلاق وتهديم للفضيلة ” وتحسرَ على الماضي .

في القرن السابع عشر الميلادي دخل رجل مطعمًا حاملًا شوكة الأكل المعروفة ، سخروا منه وهم يقولون ” كيف يجرؤ امرؤ أن يخجل من لمس الطعام بإصبعه”

في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد أقبل الناس في أميريكا على شراء (البانيو) ، فهجاها رجال الأقلام والصحافة وقالوا أنها مدعاة للبدخ والإسراف ومنافية لمبادئ الديمقراطية، وزاد الأطباء في الطنبور نغمة فادعو أنها خطر على الصحة العامة ونادوا بمقاطعتها .

أما المظلة فقد استقبلت في لندن بكلّ مظاهر السخرية والاستهزاء وأخذ المارة يرشقون حاملها بالحجارة . [6]

هذه بعض المظاهر الحديثة التي استقبلت بالاستهجان لأسباب بشرية طبيعية، ولم يمنعهم من تجاوز حالة الرفض الموقفية لمّا ثبت لاحقًا جدواه ونفعه .

فالأمر كما ترى ليس تحريمًا لكل جديد، وثبت نظريًا وعمليًا أن الأصل عند الخطاب المشيخي إباحة المخترعات الحديثة، ثم تبين أننا لسنا وحدنا من مانع دخول بعض الأشياء إلى حيز الاستخدام في البداية؛ بل إنك ترى نفس الشخص الذي يمجد الدكتور الراحل غازي القصيبي -رحمه الله- لا يستنكر ممانعته لاستخدام الجوال في بدايته حيث قال :

“يمثل (الموبايل) في رأيي المتواضع بداية ثورة اجتماعية مرذولة..إي والله مرذولة” [7]

هذه ممانعة لأسباب تخصه؛ لم تقرأ بذات النفس الذي قرئت به المواقف هنا وهناك .

وحتى تستتم الفكرة سأذكر بعض الأطر الحاكمة للتعاطي الفقهي مع المخترعات على سبيل الاختصار :

1- الأصل في المخترعات الإباحة؛ لكن ليست كل تقنية محايدة، ومن حق كل مجتمع يحترم هويته وثوابته أن يرفض ما تعارض منها حتى تنقح ونجد استخدامًا موائمًا لما ندين به .

2- أن الفقيه بشر لا ينفك عن قصور التصور في البدايات، ونوازع النفس البشرية شدة وسماحة، والسياق الاجتماعي انفتاحًا وانغلاقًا، وهو ما يجعل الأمر يدور بين قبول الفتوى وردها دون تضخيم .

3- ليس كل شيء جديد وجب قبوله؛ فنحن لا نؤله الزمن، ولا نجعل مرور الأيام مبيحًا لما حرم منها، ولا انتشار الأمر دليلًا على إباحته؛ الميزان الشرعي مختلف .

4- أن غلبة المحرم على المخترع الحديث كافٍ لتحريمه؛ وجود طور جديد لذات المخترع يراعي مناطقنا المباحة يجعل الفتوى تتغير للإباحة؛ وهي دلالة حياة الفقه لا جموده .

5- أن التخلف لا يفسر بسبب واحد؛ هذا هروب وارتقاء على الجدار القصير؛ رأينا بأنفسنا ملفات عدة حُسمت قديمًا مع وجود الرفض المشيخي .

6- أن مفهوم التقدم عند كثير من الناس فيه لبس، وبعد عن المعيار الرباني لبناء الحضارات وتحديد الغايات .

7- أن وجود من مانع مخترعًا حديثًا مباحًا من الفقهاء لا ينكر وجوده، لكن الدافع للممانعة أوسع من مجرد الاعتباط التحريمي؛ ومع ذا فغاية ما يحكم الأمر فيه على أنه خطأ .

8- أن الممانعة الراشدة قد تكون دلالة عقل وعدم تسليم مطلق لكل جديد؛ حين زار الأستاذ محمد كرد إنجلترا سجل ملاحظة مقاربة في سياق الثناء حيث قال :

“وقد اشتهرت إنكلترا بأنها بلد التقليد المستعصية حتى على اللازم من التجديد ..” إلى أن قال ” ولذا رأينا الشعب الإنكليزي قد جالد لأول مرة ريثما أدخلت عليه أساليب الارتقاء حتى المادي منه فلما تسرّب إليه صار في لحمه وعظمه ” وقال ” وهكذا شأن الأمة العظيمة تتشدد في تقاليدها وتستنكف في الغالب عن قبول كلّ جديد إلا إذا ثبت لها ما ينقض ثبوت الشمس والقمر”[8]

9- لا ننكر أن بعض التحذيرات الأخلاقية للممانعين صارت واقعًا؛ لك أن ترفض الأسلوب أو التضخيم لكن الحقيقة أن الأمر له أصل .

10- أن الممانعة كانت لدوافع دينية، نفسية، بشرية، اجتماعية، بعضها صحيح والآخر خاطئ، بعضه لسوء التصور والآخر لضعف تقدير المآل، وفيه ما كانت ممانعة صحيحة وإن لم تطبق؛ وهذا طبيعي ومنتشر في كل مكان، ولو كان ثمة عوامل تقدم حقيقية لتجاوزنا كما تجاوز غيرنا من الأمم التي مانعت ثم قبلت .

خلاصة الموضوع:

أن ممانعة الجديد حالة طبيعية، لا تمدح ولا تذم لذاتها، ولا تفسر بسبب ديني دون غيره؛ فالارتياب من الجديد قد يكون دافعه وازع شرعي، أو طبع نفسي، أو سائد اجتماعي، ثم إن الممانعة قد تكون صحيحة أو خاطئة، والخاطئ منها قد يكون لقصور في التصور، أو ضعف تقدير للمآل؛ وقصارى الأمر أن يوصف بالصواب والخطأ مع مراعاة السياق الحاكم بكل أوجهه وقت إصدار الحكم القديم .

————

[1] القواعد والأصول الجامعة ص 20-21

[2] الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة ص52 .

[3] انظر: من حكايات الشيخ عبدالرحمن السعدي، إبراهيم التركي.

[4] مجلة العربي العدد 468 نوفمبر 1997م.

[5] صحفي مصري قبطي كان يكتب في مجلة الهلال في فترة أوائل الثلاثينيات الميلادية من القرن الماضي .

[6] انظر: “التاريخ القويم” للأستاذ محمد طاهر كردي-رحمه الله- ( 3 / 105 -113)

[7] استراحة الخميس ص140

[8] غرائب الغرب ( 2/ 82)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s