العلاقات التشارطية وفقه النفوس

كان لي قريبٌ مهاب، اشتهر في محيطه بالشجاعة، حتى إن أقراني الأطفال -آنذاك- تواتروا على نسج أساطير حول علائقه بالأودية والجنّ وغيرها مما كان يطرق خيالات الطفولة وقتها؛ ولك أن تتخيل حجم التوسع والمبالغات .

قدّر الله خلافًا بينه وبين زوجه، فتركها مدة، ورغم أنه قادر على أخذ الأولاد منها إلا أنه آثر أن يُغلّب مروءته، ويحفظ العهد القديم، فتركهم معها ونفسه تشتاقهم .

في يومٍ ما زار هذا الرجل سيدي الوالد في بيتنا، وبينما هما يتحادثان أقبل شقيقي الطفل ذلك الحين، فقطع أبي حديثه وقبّله، فسأل الرجل والدي بنغمة مشجية : “يا مرعي أنت [تعِبّ] أولادك؟” لم يدرك والدي معنى كلمة [تعِبّ] حتى رأى الرجل يغالب دمعاته، ففهم أنه عجز عن نطق الحاء في [تحِبّ] لغلبة الدمع عليه فصارت [تعِبّ] .

وقد حصل ما يرجو من صلاح الحال، وزوال الخلاف، وانقشاع الغمة، فعاشا بعدها في وفاق أزيد من أربعين عامًا، حتى توفاهما الله -رحم الله الجميع- .

يشجيني حديث المكارم والمروءات، خاصة عند القدرة على الغلبة، فما بنيت المجتمعات على التشارط وحده، ولا صلحت حياة تستحضر تفاصيل التعاقد دون سبب أو شقاق .

يبدو الحديث منساقًا نحو منحنى مألوف، أقصد المعنى الذين كرره المرحوم المسيري في أطروحاته حول “التعاقد والتراحم” [1]؛ لكن ما أقصده هنا أوسع من ذلك .

“أصبحت الأسرة ترميمًا فردانيًا، ومؤسسة تتفوق فيها الحقوق والرغبات الذاتية على الواجبات القطعية، كانت قيم الاستقلالية الفردية لمدة طويلة خاضعة لنظام المؤسسة الأسرية، لقد انتهى ذلك العهد”[2]

يخيفني تسارع نمو “الإنسان القانوني” الذي يقيس عطاءه بمعيار الحقوق والواجبات دون غيرها، هذه النزعة التشارطية تمسخ أرواحًا كثيرة، تجعل الإنسان يخرج مطرقة القاضي على طاولة العشاء الرومنسي .

ومن المسائل اللطيفة في هذه البابة ما قرأته في نوازل أحمد ابن بشتغير اللورقي المالكي (ت:516) قال :

“ومن أهدى لزوجه ثم طلق قبل البناء لم يرجع بما أهدى، لأنه مختار للفراق، ولو فسخ لفساد رجع بهديته كما يرجع صاحب السلم وصاحب الصرف” [لاحظ هنا أنه قاس عقد النكاح على معاملة بيع] ثم قال: ” وإذا وجب له الرجوع بها فوجدها قد نقصت -أي الهدية- لم يكن له غيرها؛ وإن زادت فاستحب ابن القاسم أن تكون له قيمتها، وإن لم توجد -أي الهدية- فلا شيء له” ثم أردف بعبارة ذهبية قال “لأن النكاح بابه المكارمة فخالف البيوع” [3] .

لا أظن أن عاقلًا سيفهم من كلامي إلغاء البُعد التعاقدي؛ لكني أريد وضع الأمور في نصابها، فالنكاح بابه المكارمة -كما تقدم-، والأصل أن يكون العيش بالمروءات والفضل والمودة، فإذا دبّ الشقاق يُخرج كل طرف حقوقه ويضعها على الطاولة، لكن لا يبتدأ بها، تمامًا كالغذاء والدواء؛ فالمروءات والتراحم غذاء وهي الأصل، فإذا احتيج إلى الدواء أخذ منه بقدر ما يعيد للجسد عافيته .

أزعم أن تنامي الحديث الحقوقي بين الزوجين -دون حضور مسبب حقيقي- من أدواء الأسرة في عصرنا؛ والقادم كما يبدو أشد .

وللحديث ذيول لا تخفى؛ أقف هنا استبقاء لأصل الفكرة .

—————-

[1] انظر : رحلتي الفكرية ص48 – ص66 .

[2] أفول الواجب، جيل ليبوفتكسي ص177، ترجمة: د. البشير عصام المراكشي .

[3] نوازل أحمد ابن بشتغير ص393، تحقيق: د. قطب الريسوني، وهي في “الأحكام” للقاضي الشعبي ص430، تحقيق: الصادق الحلوي .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s