مشاهدات في معركة الاعتراف

في مرحلة مبكرة من حياة هيجل الشاب احتل مفهوم “الاعتراف” مكانة مركزية في كتابه “فينومينولوجيا الروح” عبر مثال العبد وسيده .

واستنتج منه أن الإنسان -كل الإنسان- تحركه الرغبة بتحقيق “الاعتراف” في أغلب تصرفاته، وذكر أننا نسعى بوصفنا بشرًا إلى تحقيق الاعتراف على ثلاثة مستويات “بينذاتية” :

1- مستوى الحب: بأن نكون قادرين على تكوين علاقات ودّ، حتى نصل لما سماه بـ”الثقة بالنفس”، وأننا حين نعدم من وجود هذا المستوى نتعرض سوء معاملة الفردية والقسوة .

2- مستوى الحق: أي الحق القانوني بأن نصل لمرحلة القبول في دوائرنا دون احتقار فئوي؛ حتى نصل إلى “احترام الذات”، وعند فقدانه نصاب بإقصاء اجتماعي؛ وضرب أمثلة عن بعض الأقليات .

3- مستوى التضامن: بألا نحرم من التعاطف المجتمعي والتقدير في المحيط المعاش؛ حتى نصل إلى “تقدير الذات”، وفي حال انعدامه نتعرض للمهانة والإذلال وضرب مثالًا بالعنصرية المجتمعية . [1]

يشرح “أكسل هونيث” -وريث مدرسة فرانكفورت- وفيلسوف الاعتراف الأشهر= القول في المستوى الأول بقوله :

“الحب الذي يجمع فردًا ما بمجموعة ما، فقط هذه القوة العاطفية التي تربطه بمجموعته هي التي تحقق له الثقة في نفسه، وبدونها لن يتمكن من المشاركة في الحياة العامة” [2]

ويبسط القول في موضع آخر عن معنى الحب الذي يعنيه وأثره في تحقيق الاعتراف بقوله :

“إن كل علاقة حب، سواء كانت بين أهل وطفل، بين أصدقاء، أو بين عشاق، فهي علاقة مشروطة بشعور لا رقابة فردية عليه يقوم على التعاطف والانجذاب، ولأن المشاعر الإيجابية تجاه أشخاص آخرين تشكل حركات لا إرادية؛ فإن هذه العلاقة لا يمكن أن تمتد إراديًا إن لم يتعدّ المحيط المباشر، لتطال عددًا كبيرًا من السركاء في التفاعل. ومع أن الحب قد احتفظ بذلك على الدوام بجزء من خصوصيته الأخلاقية؛ فإن هيجل قد كان على حق إذ رأى فيه النواة المكملة لكل حياة أخلاقية، إذ أنّ هذا الرباط وحده، وكما ينعكس من وحدة العيش عبر التحديد المتبادل بين الشركاء هو ما يعطي الفرد الثقة بالنفس والتي بدونها لا يمكنه المشاركة باستقلالية في الحياة العامة”[3]

الحديث يتشعب عن مفهوم الاعتراف من قبل هيجل مرورًا به، وببول ريكور، وتايلور، وميد، وهابرماس، وناسي فريزر، وهونيث، حتى صار بناء نموذج للعدل عبر بوابة الاعتراف عمودًا لأطروحاتهم المتباينة، المفعمة بالتفاصيل .

لو نظرنا إلى وسائل التواصل على أنها مجتمعات تنطوي على الرغبة في تحقيق مستويات الاعتراف، هذا التقسيم الثلاثي لمستويات الاعتراف يجعلك أكثر فهمًا للتصرفات اليومية لبعض بني الإنسان هنا؛ فهم يسعون لانتزاع قارب الاعتراف بوجودهم الذي ينجيهم من غرق التهميش . لذلك ترى أن من حصل على اعترافه وشعر بالتقدير والتفاعل في وسائل التواصل يصعب عليه الابتعاد الطويل عن حسابه؛ فيعود كلما جاع لهذا التقدير والاعتراف.

وترى أن كثيرًا من الاستعراض نوع محاولة للقول: “أنا هنا”، وأريد ثقتك واحترامك وتقديرك، سيحاول الإنسان انتزاعها بلطف؛ عبر وضع صورته المتأنقة لتنهال عليه عبارات الثناء والقبول الروحي -المستوى الأول-، أو إظهار معارفه، أو بعض مظاهر ترفه، أو بعض أحزانه .

وفي الحديث عن مظاهر انتزاع الاعتراف القانوني -المستوى الثاني-؛ تجد ظواهر التعصب للفئة؛ قد تكون الفئة رياضية (تعصب لفريق رياضي مثلًا)، أوفئة جندرية (رجل/امرأة) وما يحدث من لغة حادة دفاعًا عن الحق القانوني لأفراد تلك الفئة، أو قد تكون فئة عرقية أو قبلية أو مناطقية أو حتى تصنع فئات جديدة يجمعها رابط مشترك “مواليد الثمانينيات/التسعينيات” وهكذا .

أما مستوى التضامن فأظهر ما تراه في عرض الإنسان لمصابه/ نجاحاته ليحوز التضامن المجتمعي الذي يراه فردًا منه، يؤلمه ما يؤلمهم، ويفرحه ما يفرحهم، والخطأ عليه خطأ على الجميع؛ وهكذا .

وأنت تجوب هذا المجتمع التواصلي الغريب تستحضر معركة الاعتراف البشرية في ساحات متعددة؛ أحب أن نكون متزنين في التعامل معها، نشعر من حولنا أنهم محبوبون، وأن صورهم تروقنا، وتفاصليهم تهمنا، وأننا نقبل بأن نتشارك مجتمعًا واحدًا، وأن التضامن مع أفراح أحدنا ومصائبه تجعل منا يدًا واحدة معه، وروحًا ثانية تشاركه، وكتفًا ثالثة تسنده .

———————-

[1] الاعتراف، د. الزواوي بغوزه ص172-173

[2] لقاء مع أكسل هونيث ترجمه : نور الدين علوش، نشرته مؤسسة مؤمنون بلاحدود .

[3] الصراع من أجل الاعتراف، أكسل هونيث، ترجمة: جورج كتورةص197-198


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s