الزوجة وطن .. حديث في القراءة الشعبويّة للف

قرأت في وسائل التواصل، وبعض المواقع الإخبارية؛ قصاصة للعلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- قال فيها :

“إذا تزوج المسافر ببلد، أو مرّ على بلد فيها زوجته أتمّ الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن” [1]

وتعنون هذه القصاصة بِـ”رومانسية الفقهاء”، و “الفقه الجميل” ونحو ذلك .

مع أن هذا الفهم بعيد عن مراد المؤلف -رحمه الله- لكني كنتُ أغطي عينيّ بيدين مفرّجتين؛ فالأمر هيّن، ولا أحبّ أن أكون كصاحب النوارة؛ فهل أتاكم خبره ؟

روى الإمام الشاطبي رحمه عن أبي عبدالله المقري -جد صاحب النفح- أن أبا العباس البنا سُئل عن قوله تعالى : “إن هذان لساحران” لِمَ لم تعمل (إن) في (هذان)؟ فقال: لما لم يؤثر القول في المقول لم يؤثر العامل في المعمول . يعني : أنه لما لم يؤثر الاتهام بالسحر في موسى وهارون -عليهما السلام- لم تؤثّر (إن) ولم تنصب (هذان) .

فقال السائل: يا سيدي؛ إن هذا لا ينهض جوابًا، فإنه لا يلزم من بطلان قولهم بطلان عمل (إن)

فقال الشيخ : “هذا الجواب نُوارة لا تحتمل أن تحكّ بين الأكف” .[2]

لم أرغب في حكّ هذه النوارة، ولا فرك هذه القصاصة التي تداولها المخطوبون بينهم بجذل وشاعرية .

القصة الصحيحة تبدأ حين نعلم أن هذا الكلام أتى في سياق الحديث عن قصر المسافر للصلاة .

فللفقهاء مسلكان في تحديد معنى السفر: المدة، والعرف، وهم مجمعون على أن ذهاب وصف السفر وحلول وصف الإقامة يمنع الترخص برخص السفر .

وهنا أتى المسلك العرفي في تحديد وصف السفر؛ وبدأ الفقهاء يبحثون عن قرائن مؤثرة تجعل المتصف بها حقيقًا بحكم أنه مسافر أو مقيم .

ومن تلك القرائن؛ [السكن اللائق عرفًا] فلا يعد النازل بصحراء أو فضاء مقيمًا؛ كقولهم : “يشترط في الإقامة التي تقطع السفر -إذا نواها- الإمكان؛ بأن يكون موضع لبث وقرار كالعادة” [3]

ومنها؛ [التأهل]: وهو وجود الزوجة أو الولد أو الوالدين؛ فمعنى وجودهم قرينة على أنه مقيم لا متنقل .

فالزوجة وطنٌ وإقامة، والأولاد وطنٌ وإقامة، والوالدان وطنٌ وإقامة، وحتى الأثاث -عند بعض الفقهاء- وطنٌ وإقامة؛ فهي أمارات يوازنها الفقيه ليحكم باستحقاق وصف معين، ولا تنهض واحدة منها بمفردها .

سأل ابن القاسم مالكًا -رحمهما الله- عن الرجل المسافر يمر بقرية من قراه في سفر، وهو لا يريد أن يقيم بقريته تلك إلا يومه وليلته، وفيها عبيده وبقره وجواريه، وليس له بها أهل ولا ولد؛ قال : يقصر الصلاة إلا أن يكون نوى أن يقيم فيها أربعة أيام، أو يكون فيها أهله وولده” [4]

وأشار للوالدين الكمال ابن الهمام بقوله :

” فلو كان له أبوان ببلد غير مولده وهو بالغ، ولم يتأهل به فليس وطنًا له، إلا إذا عزم على القرار فيه وترك الوطن الذي كان قبله” [5]

وأما [المتاع والأثاث الدائم]؛ فوجودهما دلالة إقامة وتوطن. [6]

فأنت ترى أن الوطن هنا لفظ بدلالة قديمة؛ ليست المعاصرة المحملة بالدلالات المشجية في الحقل التداولي الراهن، ولو كانت العبارة على مذهب أصحابنا الشاعريين لكان الرجل الذي يصحب زوجته في سفرٍ مقيمًا؛ لأن الزوجة وطن . وهذا قول مردود بإجماع .

لستُ معتادًا على التنقير فيما فيه سعة، لكن الحفاظ على لغة العلم مصلحة طويلة الأمد، وحماية سمتِ الفقه من موجات الشعبنة المستخفة أولى من المجاملة الناعمة؛ ولو طُحنَت النوّارة .

———————

[1] أضواء البيان (1/ 443)

[2] الإفادات والإنشادات ص110، ورواها عنه المقري الحفيد في “نفح الطيب” (5/ 267) .

[3] النكت على المحرر لابن مفلح (1/ 132)

[4] المدونة (1/ 207 – 208)

[5] حاشية رد المحتار (2/ 131 -132)

[6] شرح فتح القدير (5/ 106)، وللمزيد من تفاصيل المسألة راجع كتاب الشيخ القاضي: سليمان الماجد “حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر” .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s