الامتلاك المُفكر فيه

من التوجهات الجاذبة في الحقل الفكري تناول بعض المفاهيم التي تسربت إلينا من باب الطبيعة البشرية؛ وكشف الجزء الصناعي منها .

“السعادة” “الملل” “الحب” “الامتلاك” وغيرها من المفاهيم وُجدت في أنفسنا فطرة، ثم أتت الحداثة فأفرزت لها تجليات مصنوعة حتى غدا أشبه بالمنتجات المعدلة جينيًا؛ لا تمتّ للفكرة الطبيعية بصلة إلا بالظاهر اللفظي .

ومن المبادئ التي رسخهما العصر الصناعي فيما يتعلق بفكرة “المتعة والتملك” مبدآن:

1- اللذة المتطرفة: فبالتزامن مع التكريس التام للمصانع والوظائف البيروقراطية؛ أتت محاولة رأسمالية القرن العشرين لترسيخ اللذة المتطرفة في أوقات الراحة والإجازات، دفعًا لمزيد من العمل والإنتاج من وجه، واستثمارًا للاستهلاكالمزدوج بين الصناعة المادية وصناعة الترفيه من وجه آخر .

2- أن عيش الأنانية الذاتية يعزز الانسجام والسلم والخير العام؛ “إن الأنانية ليست جانبًا من جوانب سلوكي فحسب، بل تعد طبعًا من طباعي؛ إنها تعني أنني أريد أن يكون لي كل شيء وأن ما يمتعني ليس للاقتسام، بل الامتلاك لوحدي،وأن من الضروري أن أكون جشعًا دائمًا، وإذا كان الامتلاك هدفي، فإني أكون موجودًا أكثر، كلما كنت أملك أكثر، وأنني معادٍ لكل الآخرين، أكانوا زبائن لي أغشهم، أم منافسين أفلسهم، أم مشتغلين عندي أستغلهم . لا يمكن أن أصبحقنوعًا وراضيًا، لأن لاحدود لرغباتي. يجب أن أحسد أولئك الذين يمتلكون أكثر مني، وأخشى من مَن ليس له شيء. ولكن لابد من أن أكبت هذه المشاعر كلها، لأظهر لنفسي وللآخرين أنني إنسان بشوش، عاقل، صادق، طيب” [1]

هذا المزيج جعل فكرة الامتلاك تتسع دلاليًا، وتصبح أكثر حضورًا في سياقاتنا .

هنا أستعرض بعض جوانب مفهوم “الامتلاك”، أفكار ذات ثمار مختلفة تسقى بماء واحد .

أولًا: الامتلاك من الداخل :

شدّ انتباهي وأنا أراجع طرق أحاديث “المختلعة” روايات تعبّر عن مكنون بشري متصل بفكرة الامتلاك .

عن عكرمة أنه سُئل: هل كان للخلع أصل؟ قال : كان ابن عباس يقول : إن أول خلع في الإسلام في أخت عبدالله بن أبيّ، أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت : يارسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة؛ فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهًا، قال زوجها: يارسول الله إني أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت عليّ حديقتي؛ قال: ماتقولين؟ قالت: نعم؛ وإن شاء زدته. قال : ففرق بينهما [2]

وفي رواية ” والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا؛ إلا أني كرهت دمامته “[3]

ففي هذه القصة جانب من فقه الامتلاك الداخلي؛ فالعين قد تفتح على القلب باب الزهد في الموجود، وكم من مغتبط بما معه سُلب منه الرضا والاكتفاء لأنه أشعل فتيل المقارنات في حياته، قد لا يصل الحال لتمني ما عند الآخرين؛ لكن خفوت بريق ما كنا مكتفين به سنتبعه بلحظان ندب حظنا العاثر .

ثانيًا : الامتلاك والوجود :

إحدى الأطروحات المركزية لإيريك فروم أواخر حياته التفريق بين الامتلاك والوجود؛ يضرب على ذلك مثالًا بقصيدين؛ الأولى تمثل نمط الامتلاك، والثانية تمثل نمط الوجود .

يقول تينيسون :

أيتها الوردة في الجدار المتصدع

أأقطفك من شقوق الجدار

وأحملك في يد بالجذور ؟

أيتها الوردة الصغيرة

لكن لو كان بإمكاني أن أفهم 

ما أنت في كليتك، بما في ذلك الجذور 

لعرفت الله والإنسان 

ويقول باشو:

عندما أنظر بعناية

أرى “النزونا” تتفتح

قرب السياج 

يعلق فروم : ” إن الفرق لافت للنظر، فردّ فعل تينيسون أمام الزهرة هو الرغبة في امتلاكها أنه يقطفها “بما في ذلك الجذور”، يقوده اهتمامه إلى قتلها وهو في غمرة المضاربة الفكرية في كون الوردة قد تخدم فهم طبيعة الله والإنسان . ويمكن أن يشبه تينيسون في هذه القصيدة بالعلماء الغربيين، الذين يبحثون عن الحقيقة بتمزيق الحياة . أما رد فعل باشو أمام الزهرة فهو مغاير تمامًا، لا يريد قطفها ولا لمسها حتى، إنه ينظر بعناية كي “يراها” . [4]

ثم يعلق في مبحث آخر من الكتاب :

“من الصعب بمكان على الإنسان الغربي الحالي أن يفرح بشيء ما دون الرغبة في امتلاكه، حتى وإن كان هذا الأمر غير غريب علينا ” [5]

ثالثًا: الامتلاك والاستهلاك :

يكمل فروم تبيان هذا المعنى؛ يرى أن ثمة تمظهرًا للامتلاك وهو الأكل/ البلع، فبلع شيء ما كالأكل أو الشرب هو شكل قديم للامتلاك، فالرضيع يميل لوضع كل شيء في فمه؛ هذه طريقته في الامتلاك .

“هناك كثير من أشكال الابتلاع الأخرى لا علاقة لها بالحاجات النفسية، وبهذا تكون محدودة؛ ذلك أن السلوك الاستهلاكي يتأسس على الرغبة في ابتلاع العالم كله، وبهذا فإن المستهلك رضيع أزلي يصيح طلبًا في قارورة الحليب … ما يمكن إضافته هنا فيما يخص وقت الفراغ، هو أن السسارة والتفزة والأسفار والجنس قد أصبحت المراضيع الرئيسية للاستهلاك الاضطراري. يتحدث المرء عن أنشطة “وقت الفراغ” والصحيح هو أن المرء يمكنه نعته ب”وقت الفراغ الخامل/السلبي”[6]

رابعًا : الامتلاك والإعلام :

“إذا كان الأنا المابعدحداثي النشيط مقترحًا للمشاعر، فإن نظيره السلبي مستهلك ومستعمل للمشاعر المنتجة .

فالحظ الكبير للسوق الرأسمالية الحالية المنتجة للثقافة هو عرض وبيع المشاعر، ويقابل هذا المستهلك الذي يشتري هذه المشاعر . ويتم هذا الاكتساب في المقام الأول عن طريق الغطس في العوالم المخرجة للأوبيرات والحفلات الموسيقية والأفلام الدينية والمسلسلات الغرامية وقصص الحب والقيل والقال عن القصور والملوك والمشاهير والأخبار المثيرة وصحافة الفضائح وأفلام الرعب والإثارة . فالعواطف وككل ما يخدم رنتاج الأنا ليست شخصية نابعة من العمق، كلها أمور تُنتج وتُكتسب وتُشترى”[7]

وقد أفردت مقالة سابقة عن “المشاعر الحديثة” وسمتها التحولي .

خامسًا : تسويق الامتلاك :

يُعد العام ١٩١٣ فارقًا في تسويق الامتلاك؛ حين ألقى جون ب. واطسون محاضرة في جامعة كولومبيا يعلن فيها تأسيس “السلوكية البشرية” .

إن ماكان يعد به واطسون بشكل واضح هو: أن الملاحظ النفسي حين يستخدم قوى التجريب الفريدة؛ فإن سيكتشف كل ما يمكنه معرفته عن البشر .

كان صناعة الإعلان بحلول العام ١٩٢٠ قد أضحت واعية بالثروة الممكنة التي يقدمها علم النفس، وقد برت آنذاك شركة الإعلان جيمس والتر تومبسون التي كان يرأسها ستانلي ريسور، تعهد ريسور بتحويل شركته إلى جامعة تختص بالإعلان .[8]

كان التحدي الذي يواجه شركات الإعلان منذ ذلك الحين في دراسة بيانات السلوك الإنساني وميوله للامتلاك، وكيف لتحليل البيانات السلوكية أن تصنع مثيرات نفسية تأتي باستجابات استهلاكية  فعالة، إنهم يجزمون أن البشر ستظل تابعة لهم ما داموا يحكمون السيطرة على بيانات عادات التسوق؛ حينها يسوقون للامتلاك بأنواعه .

——————————————

[1] الامتلاك أو الوجود، إيريك فروم، ترجمة : حميد لشهب ص٢٣ .

[2] أخرجه ابن جرير (٤ / ١٣٧ – ١٣٨)، وفي إسناده ضعف .

[3] أخرجه ابن جرير ( ٤ / ١٣٩) وإسناده أمثل من سابقه .

[4] الامتلاك أو الوجود ص٣٤-٣٦.

[5] السابق ص ١٤٩.

[6] السابق ص ٤٦-٤٧ .

[7] الأنا والنحن، راينر فونك، ترجمة: حميد لشهب ص١٢٠.

[8] انظر -لطفًا- “صناعة السعادة”، ويليام ديفيز، ترجمة: مجدي عبدالمجيد خاطر .


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s