العلم أولًا .. العلم أبدًا:

من المعاني التي لا أملُّ تذكير من حولي بها؛ أن حملك لهمّ الأمة فضيلة، وإحساسك بما يقع لك أو لمظلوم هنا أو هناك كنز؛ وإن حاول سلبه منك الباردون من أصحاب التوجهات المعيشية، لكن أحذّرك من أن يقعدك ذلك عن التعلم ما استطعت إلى ذلك سبيلًا .

ذكر الدكتور السيد محمد بدوي في مقدمته لدستور الأخلاق في القرآن للدكتور دراز لفتة مهمة، وأجدها من إشارات التوفيق التي ينبغي استحضارها في هذه الأزمات العاصفة .

يقول عن ظروف تأليف الكتاب :

” وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأٍ تحت الأرض؛ كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها، ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله، على ضوء شمعة أو مصباح خافت” [1]

والمعنى الذي أستحضره هنا؛ ألا يمنعك حزن ولا خوف عن التحصيل العلمي، فمن ألِفت نفسه التراخي بُليت بقابلية الشلل والتعوق عند أدنى طارئ، وقل أن يفلح من هذا حاله .

وقد تذكرتُ بهذه المناسبة قصة معبّرة؛ للعالم مظهر الدين الزيداني، المتوفى عام 727 هـ، حيث شرع في كتابه “المفاتيح في شرح المصابيح” بتوسع في تبيان الغريب، واختلاف النسخ، وعرض المسائل الفقهية؛ حتى بلغ الحديث رقم 1199، ثم هجم عليه همٌّ غالب، وحزَن مُقعد؛ لكنه استمر بما تيسر له، فخفّ نفَسه ولم ينقطع، يقول :

” ليعلم زمرةُ إخواني، وثلَّةُ خُلَصائي أني قد شرطْتُ في أول الكتاب أن أُورد كلَّ حديثٍ من أحاديث هذا الكتاب مكتوبًا بالحمرة، ثم أشرح ذلك، ثم إني لمَّا رأيت غلبة الكفار على المسلمين، وسمعتُ بواقعة أمير المؤمنين، تكدَّر زماني، وتحيَّر جناني، وترجل قوتي وفرحي، وتوطَّن غمِّي وتَرَحي .

وعلمت أن هذه الواقعة من اقتراب الساعة، وأيقنتُ أن الوقائع تصير أضعافًا مضاعفةً، فهممتُ أن أترك التصنيف والتدريس طرًا، وأطوي في البكاء عمرًا، ولكن خفتُ ربَّ العالمين أن أترك ما استطعت إظهار الدين؛ فإن هذا ممَّا يفرح به الشيطان اللعين .

فحَوْلقت وردَّدْتُ كلمةَ الاسترجاع، وأقبلت مع امتلاء قلبي من الجراح والأوجاع إلى إتمام الكتاب، واستعنتُ فيه من الله الوهاب، سالكًا سبيل الاختصار، بأن أترك كتابة لفظ “المصابيح” بالحمرة، وأورد منه ما يحتاج إلى الشرح، من غيرِ أن أترك من الإشكالات شيئًا، والله الموفق والمرشد ” [2]

ثم أكمل شرح الحديث الذي يليه .

وقد رأيت فئامًا من أذكياء الشباب استخفّوا الحديث واستثقلوا العلم، وصارت مجالسهم مدعاة لليأس والحزن والبطالة، ومع الوقت فقدت أحاديثهم نكهة العلم، وصاروا عوامًا يرددون إنشائيات مستهلكة، واستمروا في تتبع صراعات التيارات حتى مضى العمر، وانطفأ وهج العلم فيهم، واشتغلوا بالقيل والقال ومجالس الغيبة المشرعنة . ولئن أتيتهم بعد خمسة أعوام فستراهم على حالهم الذي تركتهم فيه؛ يجلسون على رصيف وسائل التواصل، ويتقاذفون “الترندات” بينهم، ويحسبون أنهم مهتدون .

أورد البخاري في كتاب العلم تحت باب: (رفع العلم وظهور الجهل) قول ربيعة -شيخ الإمام مالك- : “لا ينبغي لأحد عنده شيءٌ من العلم أن يضيع نفسه” [3]

وأي ضياع أكبر من إطفاء أنوار العلم فيك، والاشتغال بما لا يصلح دنيا، ولا يعمر آخرة !

———-

[1] مقدمة دستور الأخلاق في القرآن ص (ط)، طبعة الرسالة.

[2] المفاتيح في شرح المصابيح [2 / 444-445]

[3] البخاري حديث رقم (80)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s