عصا الأعرج

من الحيل التي تصيب بعض المتعلمين التوقف بحجة أن العلم محصور على الأذكياء فقط، وأن قدراته الإدراكية لا تبلغه؛ وقد تكون له تجربة علمية مبتورة جعلته يحكم على نفسه بعد صلاحيته لهذا الأمر .

أؤمن بتفاوت القدرات الذهنية للبشر، وأنها رزق تقاسمه الناس كسائر الأرزاق، فمستقل ومستكثر .

لكن الأمر لا يقاس بهذا النظر وحده؛ فقد يكون المرء متوسط الذكاء؛ لكن يعوض ذلك العرج بعصا الجِدية التي تسنده، فيكمل نقص قدراته ببذل جهد أكبر في التحصيل فيَصل لمراده؛ وهذا أمر مروي قديمًا، معاين حديثًا .

كانت بدايات الربيع بن سليمان المرادي غير منطلقة، وكان شيخه الشافعي يحبه، ويصرح له بحبه؛ كرر الشافعي مسألة واحدة أربعين مرة فلم يفهم، فقام الربيع من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة وكرر عليه حتى فهم . وقال له يومًا: يا ربيع؛ لو أمكنني أن أطعمك العلم لأطعمتك . [1]

وقد صار الربيع علمًا يُرجع إليه في الترجيح بين الروايات والأوجه داخل المذهب الشافعي .

هذا شابٌ وفقه الله لمعلم رحيم، وجد مضاعف، فنفع الله به .

والتوفيق للمعلم الرحيم فارق في مرحلة البدايات؛ كما جرى للحسن بن زياد، حيث يروي عن نفسه قائلًا : كنتُ أختلف إلى زُفر وإلى أبي يوسف في الفقه، وكان أبو يوسف أوسع صدرًا بالتعليم من زُفر، فكنت أبدأ بزفر فأسأله عن المسألة التي تشكل علي، فيفسرها لي فلا أفهمها، فإذا أعييته قال : ويحك ! مالك صناعة؟ مالك ضيعة؟ ما أحسبك تفلح أبدًا !

قال : فأخرج من عنده وقد فترت واغتممت، فآتي أبا يوسف فيفسرها لي، فإن لم أفهم قال لي : ارفق. ثم يقول لي: أنت الساعة مثلك حين بدأت ؟ فأقول له : لا، قد وقفت منها على أشياء، وإن كنت لم أستتم ما أريد . فيقول لي : فليس من شيء ينقص إلا يوشك أن يبلغ غايته؛ اصبر فإني أرجو أن تبلغ ما تريد . [2]

وقد بلغ مراده، وبلغ من هو أبعد منه حظًا من الحفظ مراده؛ فقد مرّت بي قصة عجيبة لبدايات القفال المروزي في العلم، فقد بلغ الأربعين وهو بعيد عن فكرة التعلم، وقد كان مجرد صانع للأقفال؛ فاستحثه صاحب له بكلمة : إنما الذكر بالعلم لا بالأقفال .

بداية متأخرة نسبيًا، وملَكة غير حاضرة؛ فأتم ذلك بالجدّ، حتى إنه أتى شيخًا من أهل مرو، وعرفه عن رغبته في البداية بالطلب، فلقته الشيخ أول ثلاث كلمات من مختصر المزني “هذا كتاب اختصرته” فصعد السطح وكررها، أمضى ليله في محاولة حفظ هذا الجملة فقط : “هذا كتاب اختصرته”، استمر من العشاء حتى طلع الفجر، ثم غلبته عينه فنام، استيقظ وقد نسيها، فضاق صدره .

خرج من بيته فقالت جارته: يا أبا بكر؛ لقد أسهرتنا البارحة في قولك : “هذا كتاب اختصرته”، فتلقنها منها وعاد للشيخ وأخبره بالقصة، فحثّه على اعتياد الحفظ والاشتغال بالعلم، حتى صار القفال فقيهًا؛ يملأ اسمه كتب الشافعية .[3]

هذا فيمن أوتي قسمًا أقلّ من ملكات الحفظ، وعوّضه بالاجتهاد المضاعف .

ثمة حالة أخرى؛ قد يكون المرء موفور الذكاء، مكتمل الأدوات، لكنه لم يدرك مجاله الذي يبدع فيه؛ فيظن تأخره في فهم فنٍ ما فشلًا في التعلم كله .

“دخل أينشتاين المدرسة الابتدائية العامة في سن السابعة، ولم يعتبر إلا متوسط الذكاء، لأن حل المسائل كان يأخذ منه وقتًا طويلًا … وواجه أينشتاين أوضاعًا مزعجة في الثانوية، أخبره مدرس الإغريقية أن أداءه السيء لن يجعله يصل إلى شيء، ولم يصل في دراسة الإغريقية إلى شيء قط” [4]

ثمة حالة أخيرة تعيق انطلاقنا في الطلب؛ وهو تصورنا أن النفع لابدّ أن يكون بصورة معينة، نظن أن ثمرة العلم التأليف والمحاضرة فقط، مع أننا قد نخدم العلم الذي نحب وأفنينا أعمارنا فيه من طريق آخر.

ذكر الذهبي في ترجمته لعيسى بن معالي قال :

“عيسى بن عبدالرحمن بن معالي… رجل جيد في نفسه، عامي بطيء الفهم، لا يقرأ ولا يكتب، وسمع معظم الصحيح من ابن الزبيدي في الخامسة … وتفرّد في وقته، ورُحل إليه واشتهر ذكره”[5]

فنفعه أتى من جهة سنده، وطول عمره، وهذا يجعلنا نفكر أحيانًا في أن يكون نفعنا في جمع الكتب، أو فهرستها، أو طباعة الصالح منها بأسعار قريبة، أو غيرها مما يسلك بنا طريق العلم، ويضع في أيدينا عصا الوقوف؛ وإن وهنت أقدام قدراتنا .

———————-

[1] طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، تحقيق : محمود الطناحي وعبدالفتاح الحلو (2 /134)

[2] حسن التقاضي للكوثري ص19

[3] معجم البلدان ، ط. صادر (5 / 116)

[4] أينشتاين بيكاسو .. المكان والزمان والجمال الذي ينشر الفوضى، آرثر إي ميللر، ترجمة: عارف حديفة ص 94-95

[5]معجم الشيوخ للذهبي، تحقيق: محمد الحبيب الهيلة (2/ 85) .


One thought on “عصا الأعرج

اترك رداً على omayma918 إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s