الإنسان المبهج

في الثالث والعشرين من أغسطس قبل الماضي كتبت المعالجة النفسيّة “إيمي موران” مقالة بعنوان “١٠ علامات للأشخاص المبهجين”، سردت فيه بعض الأعراض لسلوك نفسي بات يعرف مؤخرًا باسم “people pleaser syndrome” -متلازمة الأشخاص المبهجين- . [1]

نستطيع تلخيص الأوراق المنشورة حول هذه المتلازمة أن المشكلة ليست في كون الإنسان نبيلًًا؛ بل في كونه يبالغ في العطاء، حتى يهلك نفسه بمحاولة إرضاء الآخرين، وجعلهم سعداء، ولو على حساب صحته النفسية التي ستتأثر بالضغوط .

الحديث عن هذه المتلازمة لطيف؛ لأن قوامه أشتات ملحوظات نراها جميعًا بشكل يومي في الطبيعة البشريّة .

ووفقًا لمقالة “إيمي”؛ فمن علامات إصابتك : “صعوبة النطق بـ«لا»، وإظهار الموافقة لكل جليس، والشعور بالمسؤولية عن أمزجة الآخرين، وكثرة الاعتذار، والشعور بالهم الكبير إذا غضب شخص منك” .

المفارقة التي لا تذكرها المقالات؛ أن صاحب هذه المتلازمة يحمل النقيضين بين جنبيه، فهو قد يجامل ويتحمل البؤس عن الآخرين لما يظنه قوة كامنة فيه، بينما يرى الآخرون أن دافعه ضعف وخوف من الرفض.

هذه الكائنات الممتعة تعامل الناس بحب أمومي، تشعر أن سعادة الكون -كل الكون- مسؤوليتها الخاصة . حين يشكو شخصٌ ما لهم؛ تعلن كل خلاياهم حالة طوارئ استثنائية للمواساة وتحمل الحل كاملًا أو جزء منه . مع الوقت سيصبحون محاصرين بالتزامات كثيرة تفوق طاقتهم . وقد قرأت قريبًا خاطرة لشخص يرى نفسه مصابًا بهذه المتلازمة؛ وكيف أنه تمادى به الحال إلى الارتباط بخطبة مؤقتة لفتاة لا يريدها؛ فقط لأنه شعر أن هشاشة روحها مسؤوليته، فكانت أحاديثه أشبه بالفعاليات الترفيهية لها . ولم يستمرا معًا .

أعلم يقينًا أن أكثر ما يحرك هذا الصنف من الناس خوفهم من تخييب آمال الآخرين، ومع ذا فقد تأتيه تعابير الخيبة بشكل آخر؛ ربما يقصر على نفسه بالأساسيات ليسعد زوجته وأطفاله بقشور الترفيه، يرى نفسه مضحيًا وتراه قرينته مهملًا لهندامه وأناقته . وربما يبالغ في تحمل وعود لا يطيقها؛ يرى هذا نبلًا منه ويراه رفاقه شخصًا مشتتًا لا يفي بالوعود ولا يحترم الكلمة . وربما يبالغ آخر في مراعاة خواطر رفاقه؛ يرى صنيعه حسَنًا ويرونه مخلوقًا دبقًا معدوم الإحساس بالفكاهة . وربما هي أخت رائعة تحمل على عاتقها حل مشكلات إخوانها التي لا تنتهي؛ ترى انفلات أعصابها العارض أمرًا مفهومًا ويرونها نزقة سيئة الخلق، وهكذا لم يسلموا من النقد وتخييب الآمال .

لا أحد يكره أن يكون لطيفًا، لكن الشريعة أتت بمحددات للتعامل، ففي مقام يكون سيد المحددات الاستطاعة، وآخر يكون العرف، وثالث يُحد بالإحسان، ورابع بالحقوق والواجبات، وهذا باب شريف من فقه الشريعة يسر الله بسطه في موضع آخر .

ومما قرأت في الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي قوله:

“رأيت في الهبة من منية المفتي: فقير محتاج معه دراهم، فأراد أن يؤثر على نفسه، إن علم أنه يصبر على الشدة فالإيثار أفضل وإلا فالإنفاق على نفسه أفضل، انتهى”[2]

هذا الحكم مندرج في أبواب الهبة، والإيثار، حيث تقرر أن على المنفق تفقد حاله؛ فإذا كانت نفسه تصبر على الإيثار استحب له العطاء، وإن غلب على ظنه أنه لن يصبر فيمسك عن نفقته التطوعية، ويصرفها في شؤونه .

فقه نفس عزيز، يحكم بصوابه من عرف الطباع البشرية، فالناس متفاوتون في العطاء؛ ليس من جهة ما يملكون من مال وحسب، بل حتى في غناهم النفسي، وسماحة أرواحهم، وفي هذا الباب معانٍ منطوية، أحب أن تكون منها على بال، أهمها عندي:

المعنى الأول : في عطائك القلبي؛ اعلم أن العلاقات البشرية ليست معادلة رياضية، فعطاؤك الكثير لا يعني بالضرورة أن تأخذ الكثير؛ فقد تعطي ولا تأخذ، وقد لا تعطي وتأخذ كل شيء، وأنت إذا تأملت شكوى الناس من جحود أصدقائهم وجدت حقيقتها أن من يشتكي ينتظر جزاءً يوازي عطاءه، فلما رأى أن من أمامه لا يبادله العطاء اشتكى الجحود، وناح هاجيًا الزمن، وموت الوفاء .

المعنى الثاني: في عطائك الوقتي؛ لا تنفق عمرك إلا في قضية تستحق، وأنت مستعد لخسارة كل شيء في سبيلها، وإلا فيسعك الاشتغال بخاصة أمرك، وكم رأيت من شابٍ أنفق عمره في نصرة قضية، ثم لما كبر وجد أقرانه منعمين بدنياهم، وتلك خسارة تفوق احتماله، فبدأ بالندم، والمن، وشتم قدواته السابقين بأنهم غرروا به، وخدعوه . نعم؛ يسير العاقل في حركة تحسينية دائمة، لكنه في كل تحولاته يسير بقناعات تلك الفترة، وليس من السداد أن يتهرب المرء من ماضيه بإلقاء المسؤولية على الآخرين، وكأنه يقاد بلا عقل، هذه منقصة لا تعفيه من المسؤولية، ومن قدّم فوق طاقته باختياره فليس من حقه التباكي والتظاهر بالمظلومية .

———–

[1] آثرت ترجمة “pleaser” بالمبهج لا الممتع في هذا السياق، مع أنه ليس لها ترجمة مباشرة جيدة، والمقصود : “الشخص المستمد رضاه عن نفسه من قدرته على إرضاء الاخرين” وهي صفة تحمل شكل نقيصة، لا شكل مدح كما توحي به عبارة “ممتع” أو “مبهج” بادي النظر.

[2] طبعة دار الكتب العلمية، ص١٠٢، أثناء حديثه عن مسألة ” هل يكره الإيثار في القُرَب”


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s