شعبنة العلوم .. قراءة في موجة المنصات العلمية

(1)

مع كل أنبوب معلوماتي تقني يُفتح يتبادر للذهن سؤال منهجي حول جدوى الشعبنة العلمية؛ والشعبنة هنا معناها نشر العلم وتقريبه شعبيًا .

حين انتشر “الويب” عام 1998 طرح غوستاف كونيلس ورقة علمية في المؤتمر العالمي العشرين للفلسفة بعنوان “هل شعبنة العلم ممكنة؟” تحدث فيها عن تجارب تقريب مفاهيم العلم والكونيات، وضرب مثالًا بكتاب “تاريخ موجز للزمن” لستيفن هوكينغ، وكان في مجمل الورقة يدعو للاتزان في “حق العلم” بعدم تضييعه بالتبسيط الزائد، و”حق الجمهور” في الاقتراب من العلم وفهمه [1] .

والآن مع انفتاح وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات النشر المرئي يعود سؤال الشعبنة بإلحاحه الأول؛ : هل يمكن شعبنة العلوم الشرعية والإنسانية ؟

ومعلوم الفرق ما بين العلوم -التي حصرت بالتجريبية في دلالة “science ”- وبين العلوم الأخرى في المصدر ومستوى التداول وطبيعة الأدوات الضرورية للمتعاطي معها [2].

(2)

جرت محاولات تقريبية في تراثنا الإسلامي، نستطيع تقسيم هذه المحاولات في ثلاث مراحل عامة :

الأولى: مرحلة التدوين والجمع المعلوماتي :

كانت الثقافة الشفاهية العربية تتسيد المشهد، فالحفظ والرواية عمدة نقل المعارف، وكانت طرق التعليم تراعي هذه الثقافة؛ ثم جرت محاولة كتابة الوحي ومابعده [3]، وجرى في ذلك العهد خلاف حول جدوى الكتابة، والذي يهمنا أن الكتابة آنذاك كانت بهدف تعليمي لتقريب العلم وضبطه؛ وهو ما كشف عنه الحافظ ابن رجب حين قال :

“والذي كان يكتب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتبًا مبوبًا، وإنما كان يُكتب للحفظ والمراجعة”[4]

فانتشار العلم وتزايد الروايات فرض حاجة التدوين؛ لتقريب العلم للطلاب، وفي علوم الحديث مباحث حول الصحف والوجادات المكتوبة، ومدى حجيتها، فالعلم انتقل لمرحلة التدوين بالتدريج .

(3)

الثانية: مرحلة الاختصار اللفظي :

المتأمل لمرحلة التدوين يجد أنها امتلأت بالتفاصيل الضرورية آنذاك لحفظ العلم؛ كسرد الأسانيد، وتبيين دقائق أحوال الرواة، وغيرها، وهذا ما جعل التقريب بحذف هذه التفاصيل مهمة مرحلة التقريب الثانية، وقد أخذ التقديم لهذه الخطوة أشكالًا عدة؛ فمثلًا نجد من أشكاله الحديث عن تواضع الهمم، ونعي الزمان، تمهيدًا لهذه الخطوة الإيجازية .

يقول ابن الجوزي :

“كانت همم القدماء من العلماء علية، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم، إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت؛ لأن همم الطلاب ضعفت، فصاروا يطلبون المختصرات، ولا ينشطون للمطولات”[5]

ونحوه قول ابن الهمام الحنفي في سبب تأليفه “التحرير” :

“وعرفت من أهل العصر انصراف همتهم في غير الفقه إلى المختصرات، وإعراضهم عن الكتب المطولات؛ فعدلت إلى مختصر …” [6]

هذا سبب صناعي؛ ألحقه سبب فني في طريقة التعلم والتفقه، فطالب العلم بحاجة إلى الحفظ، وليسهل الحفظ نحن بحاجة إلى الاختصار والتقريب، وهذا صريح في قصة الحافظ ابن حجر إذ علّق في نزهة النظر في سياق حديثه عن المصنفات الحديثية قبل الحافظ ابن الصلاح بقوله : “واختصرت لتيسير فهمها” .

فأورد عليه تلميذه الإمام ابن قطلوبغا قائلًا :

“أوردت على المصنف: أن الاختصار لتيسير الحفظ، لا لتيسير الفهم! .

فأفاد: أن المراد فهم متين لايزول سريعًا، فإنها إذا اختصرت سهل حفظها، وحينئذ يسهل فهمهت، بسبب حفظها” [7]

والحفظ مقصد ظاهر للمختصرات كما عبر الحجوي عن المختصرات بأنها بنيت على “تقليل الألفاظ تيسيرًا على الحفظ”[8]

وقد اتجهت الحركة التقريبية نحو تقليل الألفاظ، وتكثيف المعاني حتى صار المتون في طور حادث أشبه بالرموز والألغاز، وهنا أتت الحاجة للشروحات والحواشي بصورة أكبر .

قال الحطاب الصغير عن مختصر خليل :

“إلا أنه لفرط الإيجاز، كاد يعد من جملة الألغاز”[9]

ووصف الباعث على الشرح بأنه أتى للحد من الإلغاز مكرور في أكثر من كتاب .

وبهذا نعلم أن المنتقدين للاكتفاء بالمتون التقريبية آنذاك يختلفون في أسبابهم؛ وأول سبب ذكرناه “استغلاق الفهم” لما تضمنته من ترميز .

أما السبب الثاني فهو “إضعاف الملكات” وخلق حالة من الكسل المعرفي لسهولة الوصول للنتيجة الحكمية، وما يترتب عليه من جرأة المبتدئين على التخوض في مقامات لا تبلغها أدواتهم، ومن ذلك النوع نقد الصاحب بن عباد لكتاب لصاحب كتاب الألفاظ عبدالرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني .

قال الصاحب بن عباد:

“لو أدركته لأمرت بقطع يده ولسانه؛ لأنه جمع شذور العربية الجزلة المعروفة في أوراق يسيرة، فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب، ورفع عن المتأدبين تعب الدرس والحفظ والمطالعة”[10]

وأغلب النقد المتجه إلى وصف المتون بإضعاف الملكات يتكئ على نص مطول لابن خلدون في مقدمته تحت فصل بعنوان : “في أن كثرة الاختصارات المؤلفة مخلة بالتعليم” [11]

(4)

الثالثة : مرحلة منصات التقنية:

مع انتشار آليات النشر المعلوماتي، تواتر الحديث عن الحاجة لتقريب العلم للناس، نشرًا للوعي -هذه الكلمة المليئة بالسيولة الدلالية-، وأداءً لأمانة العلم .

بدأتَ تسمع عن دورات للفقه كاملًا في ثلاثة أيام، وأخرى للأصول في نصف يوم، وبرامج معرفية افتراضية لبناء المفكر هنا وهناك؛ وهذي الظاهرة يجب أن تدرس باتزان؛ فلا يغفل الخير الذي فيها، ولا يغفل عن الآثار التي خلفتها .

وأنا هنا أطرح شذرات وتساؤلات لنفسي ولإخواني من أصحاب البرامج والمبادرات التقريبية للعلم .

في أي منطقة يتجه التقريب؟ في طبيعة المادة العلمية؟ أم في طرق عرضها؟ أم في تكوين بيئة تفاعلية معينة على اكتسابه ؟

ما مساحة الاهتمام بطرق العرض وتكثيف الأمثلة وواقعيتها، واستخدام أدوات تقريب المعنى كالصور والفيديوهات والخرائط أثناء الدرس ؟ إلى أي درجة نحتاج تجديد طرق العرض؟

نكاد نتفق أنه لابد من تكثيف العمل على ما لا يسع المسلم جهله، إذن؛ ما شكل التقريب المرجو في المباحث الأخرى؟ وهل ثمة أصناف من العلوم لا يصلح أن يدخلها مسلك الشعبنة؟

بالنظر إلى غاية التقريب؛ هل يصح القول بأن علينا نشر الحكم لا نشر الآلية؛ تمامًا كقول من يقول أنه علينا نشر الثقافة الصحية لا الطبية، أم أن العكس أحكم ؟

ما حدود التقريب في صياغة الألفاظ؛ كيف نحافظ على لغة العلم وتقريبه في ذات الوقت؟ ماذا عن الكتب الشرعية والفكرية المكتوبة بلغة صحفية أو أدبية؟

هل مختصراتنا “ثمار” صنعها المنتهون؟ أم أننا نتناول “بذور” المعلمين المبتدئين؟ هل صار التقريب عند البعض مسلك فرار من كشف الضعف العلمي الذي يظهر في التدريس التفصيلي ؟

هل آلياتنا المستخدمة تقود للاستمرار نحو كتب أعلى ؟ أم أننا نعين على الاكتفاء وصناعة الضعف العام؟

هل انتقل الحال إلى “استرضاء” المتلقي؟ هل علينا إيصال العلم أم إيصال الطالب للعلم؟

وأخيرًا: ما مستوى التنسيق بين هذه المبادرات في المحتوى وتوقيت الالتحاق وتغطية الفئات المستهدفة؟ هل ساهمت هذه المبادرات في صنع شتات معرفي من نوع جديد؟

هذه أسئلة كبرى تدور في ذهني، والإجابة عنها تحتاج مساحة أوسع؛ لكن حسبي إثارتها وتعليق الجرس عند أصحاب هم نشر العلم وقادة المبادرات والمشاريع المعرفية الافتراضية المباركة .

—————————-

(1) الورقة منشورة في :

http://www.bu.edu/wcp/papers/scie/sciecorn.htm

(2) انظر طرفًا من نقاش إشكالية دلالة لفظ “science” في كتاب “beyond matter” للمؤلف Roger Trigg .

[3] من شاء أخذ تصور جيد عن مراحل تدوين السنّة والاعتراضات الواردة فليطالع :

– تقييد العلم للخطيب البغدادي -رحمه الله-

– دراسات في الحديث النبوي للدكتور محمد مصطفى الأعظمي -رحمه الله-

– تدوين السنة النبوية نشأته وتطوره للدكتور محمد مطر الزهراني -رحمه الله- .

[4] شرح علل الترمذي (1 / 341) ط. د/ همّام سعيد .

[5] صيد الخاطر ص 453 ط. دار القلم .

[6] انظر: تيسير التحرير لأمير باد شاه (1/ 7) .

[7] انظر: المدخل إلى علم المختصرات للدكتور عبدالله الشمراني؛ ولدراسة الظاهرة المتونية يضاف له : “الدليل إلى المتون العلمية” للشبخ عبدالعزيز القاسم، و بحث “دفاع عن ظاهرة المتون” للدكتور عبدالكريم الأسعد .

[8] الفكر السامي (2/ 458) .

[9] مواهب الجليل (1 / 2)

[10] انظر القصة في تاريخ الإسلام للإمام الذهبي (7 / 388) ط. د/ بشار معروف .

[11] الفصل السادس والثلاثون من مقدمته ص733 ط. دار الفكر .


2 thoughts on “شعبنة العلوم .. قراءة في موجة المنصات العلمية

اترك رداً على بدر الثوعي إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s