تعرّي الذات .. من إنسان المرآة وحتى الكاهن الرقمي

قرأت دراسة علمية حديثة تقول أن ثمّة سبعة عوامل تدفع الإنسان للبوح بمشاعره؛ الغريب أن أول هذه الأسباب وأحظاها بأكبر نسبة كان دافع التنفيس والتخلص من الضغوط لا أكثر . [1]

وهذا يدفعنا للتأمل مليًا .

تساءل التوحيدي يومًا عمّا يدفعنا لبث أسرارنا؛ مع جنوح الحديث الأدبي لتبيان ندامة مفشي أسرار نفسه، وخطيئة مفشي أسرار غيره؛ فأجاب مسكويه :

“وإخراج السر من جملة هذه الشهوات، وهو متعلق بالإخبار والإعطاء، وإذا كان لحفظ السر هذا الموقع من المجاهدة للنفس؛ لأنها تحرص في إظهاره على أمر ذاتي لها، وإنما يقمعها العقل ويمنعها؛ فأخلق به أن يكون صعبًا شديدًا، جاريًا مجرى غيره من شهوات النفس التي يقع الجهاد فيها” [2]

ومقصودي هنا توسيع معنى إفشاء السر، إلى تلمس فكرة البوح بالعموم؛ فمنذ زمن طويل، والإنسان مأخوذ بدافع غير مفهوم يؤزه للبوح عما في خاطره، قد يأتي الأمر بدافع التنفيس لمن تزاحمت الهموم في صدره؛ فيحكي ابن حزم عن هذا البوح التنفيسي بأن بعض المحبين حين لم يجد أخًا يصلح للبوح “كان ينفرد في المكان النازح عن الأنيس، ويناجي الهواء، ويكلم الأرض، ويجد في ذلك راحة كما يجد المريض في التأوّه، والمحزون في الزفير؛ فإن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها، فإن لم يفِضْ منها شيءٌ باللسان، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث أن يهلك غمًا ويموت أسفًا” [3]

وشكوى التنفيس تتبادر إلى الذهن بداهة؛ إلا أن اللطيف استنباط الفقيه ابن عبيدالله السقاف لمعنى في البوح عند ورود النعم، حين شرح حديث ذهاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخديجة رضي الله عنها يوم نزول الوحي فقال:

” لا تتجدد لأحد نعمة؛ إلا حدثت في صدره ولولة لا تزول عنه، أو يفضي يخبرها إلى أحب الناس إليه” [4]

لم نفكّر يومًا في تاريخ البوح؛ كيف استطاع الإنسان استنساخ تجربة البثّ الثنائي لصديق في زاوية ما، في هذه المقالة أشتات عن أبرز أدوات البوح البشري .

أولًا: السير الذاتية:

المتأمل في السير الذاتية يجد خيطًا رفيعًا بين فكرة البوح التطهري/الاعترافي وبين كتابة السير الذاتية، فهذا الضرب من السرد فيه مكون ذاتي أكبر من أن يكون مجرد كتاب تأريخي توثيقي لحياة شخص ما .

وهذا ما صرّح به ميخائيل نعيمة في فاتحة سيرته “سبعون” حين قال :

“هناك مبرر ما أظنّه يخطر للقارئ في بال وهو اللذة التي يلاقيها الإنسان إذا هو تعرى أمام إخوانه الناس من جميع “أسراره” وأوزاره، فبات وكأنه البيت من زجاج، كل مافيه مكشوف للعيان” [5]

فالبوح هنا دافع حقيقي لكتابة السيرة الذاتية، واعترافات “جان جاك روسو” مثال جلي، فهذا نوعٌ من الحديث عن خبايا النفس، وله لذة البوح الكفاحي أو أكثر .

ثانيًا : الشكوى إلى الطبيب النفسي:

يمتد خيط الاعتراف الكنسي للكاهن ليلقي بظلاله على نشأة التحليل النفسي أيضًا؛ و “بالرغم من اختلاف شكل الاعتراف بين الأب الراهب والمحلل النفسي إلا أن هذا لا يحجب الإرهاصات المسيحية الرهبانية للتحليل النفسي (حتى يلتزم الموضوع بطابعه الحيادي)، والتي تفسير تلك الألفة التي يحظي بها داخل البلدان الغربية على خلاف سواها، فالفئات المسيحية نراها أكثر تقبلًا للتحليل النفسي من المجتمعات الإسلامية”[6]

“لقد حافظ التحليل النفسي على بعض الطقوس اللازمة اللازمة لسر الاعتراف. ففي الاعتراف كما في التحليل النفسي، يكون المتوقع من الفرد أن يتحدث عن مراجعة النفس والتصريح بالإحباطات المكبوتة في الظل” [7]

فهذا النوع من الممارسة الاستشفائية فيها قدرٌ من دافع البوح البشري الذي اعتاده الإنسان وتحايل لإيجاده .

ثالثًا: السيلفي :

من التمثلات الحديثة لفكرة البوح أن تصور نفسك صورة تحكي عن حالك وقتها؛ فهذا سيلفي حزين، وذاك سيلفي متأنق، وآخر سيلفي يحكي فرحة موقف، شيوع كبير لفكرة البوح عن طريق الصورة؛ “ما أفترضه أن مبرر هذا الشيوع يكمن في مدى شيوع الاستراتيجية الأخيرة تحديدًا: البوح أو تعرية/ كشف الذات؛ إذ إن هذه الاستراتيجية هي الأكثر التصاقًا بالذات البشرية؛ إن الناس لا يطيقون صبرًا عن الحديث عن أنفسهم، عن تلاوة خبراتهم وآرائهم على آذان الآخرين”[8]، والسيلفي يحقق هذا النوع من الثرثرة البصرية إن صح التعبير .

“والحال أن الصورة لغة، لأنها قابلة للتأويل، وأنها تتضمن معنى”[9]، فعوض أن تتحدث عن ثرائك تستطيع أن تنزل صورة تجمع مقتنياتك الغالية دون أن تنبس بحرف، ويكون معنى البوح الذاتي واستعراض الذات قد وصل، وهكذا في كل أحوالك المشاعرية؛ صورة واحدة تكفيك عن قول “أنا حزين .. تكرموا بمواساتي”، وأخرى تنطق عنك بمعنى “أنا وسيم .. أمطروني بكلمات القبول” .

رابعًا : التدوين الافتراضي:

هاهو الشتاء يطرق الأبواب، وليله الطويل لا زال يلوح بإغراء لخلايا البوح فينا، من أيام المنتديات مرورًا بالمدونات وحتى وسائل التواصل المختلفة؛ نحن نمارس طقوس الاعتراف التطهيري لكل خطايانا أمام هذا الكاهن الرقمي .

“في سنة 1996، أي فجر عصر الانترنت، ابتكر خبير الاتصالات حوزيف والثر مصطلح [تفاعل بين حشد هائل من البشر] لوصف الطريقة التي يميل بها الناس للتواصل على الهواء . حسب رأي والثر، السبب الذي يجعل الأشياء تتحول إلى علاقة ودية بسرعة على الهواء هو عدم وجود مؤثرات بصرية، وهي طريقة أخرى للحديث عن تأثير [عدم رؤية الآخر]” [10] .

هذا العامل مؤثر في اندفاع البوح في هذه المساحة؛ فعدم رؤية الآخر يجعل المرء أقل تحفظًا، ويمنحه إحساسًا بخفة آثار هذا البوح إذا قارنّاه بالبوح الفيزيائي المباشر .

وخلاصة القول أن الإنسان لا زال يستثمر كل وسيلة لإشباع رغبته في تعرية الذات، والبوح عما في مطاوي نفسه؛ نحن الذين كنّا نكشف ملامحنا أمام المرآة كنوع من التعبير المتاح عن مخبآت أرواحنا أصبحنا نمطر جنبات الواقع الرقمي بوابل من الكلمات والصور التي تحمل نفس المعنى؛ البوح المقدس .

——————

[1] البوح عما في النفس من منظور جندري، رسالة ماجستير للطالبة: راية السلواني، الجامعة الأردنية، 2014 .

[2] انظر تمام جوابه في “الهوامل والشوامل” ص33-37، ط. أحمد أمين والسيد أحمد صقر

[3] طوق الحمامة “ضمن رسائل ابن حزم (1/164)”

[4] بلابل التغريد فيما استفدناه أيام التجريد ص100.

[5] سبعون (1/15)

[6] طرق اللاشعور : من سرداب أب الاعتراف إلى أريكة التحليل النفسي، يوسف عدنان، مجلة حكمة.

[7] السابق

[8] أكثر من صورة؛ الدوافع النفسية للسيلفي، د. طارق عثمان، أوراق نماء 147 .

[9] أنا أوسيلفي إذن أنا موجود؛ تحولات الأنا في العصر الافتراضي، إلزا غودار، ترجمة: سعيد بنگراد ص 69

[10] التأثير السيبراني؛ كيف يغير الانترنت سلوك البشر، ماري آيكن، ترجمة : مصطفى ناصر ص288


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s