وا علماه

من حكيم ما يرويه الدكتور محمود الطناحي عن شيخه وشيخ العربية محمود شاكر -رحم الله الجميع- موقفه من الجاحظ؛ حيث قال : “ولكنه رحمه الله لم يكن يتحمس للجاحظ كثيرًا، مع إجلاله له، وحفاوته به، لأنه يرى الجاحظ يستطيل على الناس بذكائه، ويخدعهم بتصرفه في القول والبيان” [1]

ووجه من هذه الاستطالة بالألفاظ هو عين ما نراه من بعض متصدري هذا الزمان، إذ تراهم لا ينفكون عن تقريع تلاميذهم، وهجاء أقرانهم، والنياحة على التمكن العلمي الذي دُفن في زماننا، وما إن يقرر أحدٌ منهم مسألة فيها نوع إعمال نظر حتى تراه يستطرد نائحًا على جواهر علمه التي يقلدها أعناق الخنازير، [2] ويذكرهم في كل مرة أن ما يقوله لن تجدوه عند غيري ولو حفيتم في سعيكم، في منة علمية لا تحسن ولا تليق .

ولولا بقايا مروءة لدللتكم على بعض مواطن الضعف العلمي الظاهر لرؤوس أرباب التطبير والنواح المعرفي؛ وقد خبرتُ من حال بني الإنسان أن من شاء أن يوصف بشيء أكثر من ذم نقيضه؛ فمن يريد أن يوسم بالتحرير العلمي أكثر من ذم سطحية غير المتخصصين، ومن شاء أن يوصف بسعة الاطلاع بالغ في تقريع من يكتفي ببعض الكتب دون الآخر، وعندي من الشواهد حمل بعير؛ وأنا به زعيم .

ولو أرخى شباب الجيل لي أسماعهم لقلت : أكرموا أنفسكم من التلقي عن هؤلاء، ولا تحملنكم آثار الصبر على نزق الشيخ عند السلف إلى إذلال أنفسكم عند من يغني غيره عنه، وإياكم وهذا التطامن الأجنبي عن طبيعتنا السوية، وتخففوا -رحمكم الله- من مذلات الألقاب، وانكسارات التصوف العلمي المحدَث، فما كان الله ليأمركم بتوحيده؛ ثم يرضى لكم هذا التخضع لمخلوق مثلكم، لا تجعلوا نفوسكم أكياسًا معلقة يفرغ فيها المعتلون سلوكيًا نوباتهم، والعاقل لا تختلط عنده رؤية الاحترام الواجب لأهل العلم والفضل بمسح الكرامة والتذلل البدعي سمتًا وسلوكًا .

ومن عجائب بعض النفوس أن تراها تقاد لهذه الدعاوى لضعف في شخصياتها، فيفترضون أن هذه الاستطالات دلالة مزيد علم، وينفرون من الهين اللين ظنًا منهم أن الوداعة تستر ضعفًا علميًا؛ المسألة سلوكية محضة، وإذا كان كلما زاد تعديه زاد تعظيمه فقل على استقلال تلاميذه السلام .

الاحترام العلمي المتبادل مزرعة الفضائل، ومن كان همه بناء جيل من النافعين فليعلمهم بأدب، ويحثهم على شجاعة البحث ولو خالفوه، أما من أراد تحشيد أتباع ومريدين ومداحين فدونه هذا الطريق .

وإني لأرجو الله أن يصرف عنا هذا الداء، ويقينا شر أنفسنا، وشر نشوة المعارف الدقيقة، وأن يجعلنا من أهل الخلق الحسن والكلام اللين لمن امتن الله علينا بصحبتهم .

——————-

[1] مجموع مقالات الطناحي، جمع : محمد بن ناصر العجمي (2/ 522) .

[2] تروى بمعناها عن عيسى ابن مريم عليه السلام وغيره، انظر : جامع بيان العلم (1/ 446)، الجامع لأخلاق الراوي (1/ 205) .


رأي واحد حول “وا علماه

  1. لو تعرفون يا جماعة
    كل هذا وأكثر نتعلمه من أستاذنا البدر في نخبة مساق ،
    نخبة مساق ؛ هذه النعمة العظيمة التي أحمد الله ليل نهار على منّته علي بها ، أحمده على أستاذٍ ومعلم كالبدر ، وعلى مشرفين يرعون مصلحتنا ولا يألون جهداً في خدمة العلم وآله ، وعلى صحبة والله لم أجد مثلها ولن أجد ما حييت ، ويا لندمي لو فرطت فيها ، ويالحسرتي إذا لم أنجح في العبور معهم إلى المستوى القادم .
    نخبة مساق : نقطة انطلاق ، شعور آخر بلذة العلم رغم صعوبته وتعبه ومشقته ، شعور آخر بالصحبة والحب في الله والتفاني في خدمة الجميع للجميع .
    هكذا طيلة ثلاثة أشهر في صحبة مساق كنا ، وياليتنا نستمر لنكون ونكون ، هذه الصحبة التي أتغذى عليها هذه الأيام وما أجملها من أيام وما أروع لياليها رغم قساوة الشتاء ومرارة الوحدة .
    شكراً بدرنا الجميل ، شكراً مساق ، شكراً صحبة مساق .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s