حكم كراهة النساء للتعدد

الحمد لله وحده ..
جرى نقاش فيسبوكي حول هذه المسألة من وحي حدث في سياق بلد عربي، فحصل لغط وتجاوزات إنكارًا ونفيًا ومحاولات توسط، هذه إشارات في “حكم كراهة النساء للتعدد”، سأقارب المسألة بنوع تفصيل، وأسأل الله العون والسداد :

  • كراهة النساء للتعدد ثلاثة مستويات :
    المستوى الأول : مستوى كراهة الطبع، وعدم الميل الشخصي، وهذا نازع لا يمسّ منطقة التحريم ما دام منضبطًا، هذا المستوى من جنس كراهة القتال الطبيعية كما في قوله تعالى “كُتب عليكم القتال وهو كره لكم” [1]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم “إسباغ الوضوء على المكاره” [2]؛ فهذا أمر مستقر تُحمد مغالبة ما زاد منه، لا اجتثاث أصله، وقد أحسن ابن القيم رحمه الله حين حرر هذا المستوى فقال :
    “وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه” [3]
    المستوى الثاني: مستوى كراهة الممارسات؛ أي ممارسات المعددين، وهذا بابته النقد والنصح الاجتماعي، وشروطه العلم والعدل، ومن العدل ألا يُعمم وصف الظلم على كل معدد، وآفته الوقوع في محذور “ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال”[4] .
    المستوى الثالث: مستوى كراهة التشريع؛ وهذا كفر؛ لقوله تعالى “ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم”[5] فمن يرى في أصل تشريع التعدد ظلمًا للمرأة على المستوى النظري فقد وقع في المحذور .
  • تحرير أصل حكم التعدد ليس مؤثرًا حقيقيًا في مسألتنا؛ فالإجماع على مشروعيته، بقيت مسألة استحباب الاقتصار على واحدة، أو استحباب التعدد للأمر في الآية، أو وضع الحالين على أصل الإباحة وتأتي القدرة والحاجة لتدوير الحكم بين رتب الأحكام التكليفية= مسألة فقهية أصولية فنية، فسواء حكمنا بهذا أو ذاك فلا تغيير في دخول أصل التعدد في دائرة المشروع؛ وما لابس الأصل من مؤثرات تبقى نواقل خارجية لاتمس دائرة الحكم في ذاتها.
  • أتت الشريعة بمراعاة مشاعر النساء في كثير من أحكام النكاح؛ لما عُهد في تركيبهن من رقّة، ومن أمثلة ذلك :
    1- استئذان المرأة في تزويجها [6]، واستئذان أم في تزويج ابنتها[7]؛ نُص على أن ذلك أتى تطييبًا لخاطرهنّ، وقد نقل العظيم آبادي عن العلقمي قوله :
    “وذلك من جملة استطابة أنفسهنّ، وهو أدعى للألفة، وخوفًا من وقوع الوحشة بينهما -أي الزوجين- إذا لم يكن برضا الأم؛ إذ البنات إلى الأمهات أميل، وفي سماع قولهنّ أرغب” [8]
    2- في مراعاة حياء المرأة من زوجها إذا جعل نفسه خادمًا دون أن يأتي بخادم [9]
    3- إذا طُلقت المرأة في فترة العقد وقبل المسيس فلها نصف المهر المتفق عليه [9]؛ مراعاة لشعور الانكسار الحاصل بالفراق، مع أنها فيزيائيًا لم يحصل لها ضرر بمجرد العقد؛ إنما هي مراعاة خواطر.
    وغير ذلك كثير .
    فالمراعاة موجودة داخل الأحكام؛ لكن المعظّم للوحي لا يتطلب مراعاة تتجاوز إطار المقبول شرعًا، فيجيز عبارات تمسّ أصل تشريع التعدد[المستوى الثالث] بحجة الغيرة [المستوى الأول] أو ممارسات المعددين [المستوى الثاني] !
  • المسدد من الرجال من لا يعرض أحكام التعدد بغرض المناكفة واستثارة النساء لمنزعين :
    الأول: أن المناكفات بمآلاتها مما يترفع عنه أصحاب المروءات وتمام العفة؛ فالمواحشة أخت المفاحشة، كما قيل :
    وأول ما قاد المودة بيننا == بوادي بغيض يا بثين سباب
    وقلنا لها قولًا فجاءت بمثله == لكل كلام يا بثين جواب
    وهذا أمر مدرك لمن له أدنى تبصر بطبيعة النفس البشرية .
    الثاني: أن من يشفق على غيره لا يستفزه بما هو زائد على التقرير الشرعي المتزن لحكم التعدد، ولا يجاوزه إلى مناكفات بأسلوب غير لائق تكون سببًا في تلفظ بعض النساء بمحاذير تقع في باب كراهة أصل التشريع؛ هذا لا يعني رفع المؤاخذة عن من تقول هذا؛ لكن الشريعة رحيمة؛ تدير نوازع البشر ولا تثيرها، ومن هذا الباب كراهة تكرار تلقين الميت الشهادتين لذات السبب؛ قال النووي – رحمه الله-:
    “وكرهوا الإكثار عليه والموالاة لئلا يضجر بضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه وينطق بما لا يليق” [10]
    وهذا يكون فيمن عندها أصل تعظيم الوحي، وتغلبها نفسها ولا تميز بين مستويات كراهتها للتعدد؛ فحقها أن نعينها، ولا نعين شياطين الأفكار بامتحان بدعي، واستفزاز غير حكيم؛ وهذا لا يعني بأي حال تمييع الحكم، أو الصمت عن تقريره؛ في سياق طبيعي ومتزن .
  • الذي أراه ديانة أن هذه المسألة يحكمها مؤثر “الاستغراق والانغماس”؛ فمن كان متصديًا للرد على النسوية دون تأصيل علمي جعل جل التصرفات الأنثوية من قبيل كراهة الشرع؛ وحدثك عن اليقظة، وأفكار النسوية المتسربة في كل شيء، ومن كان منتصبًا للاستشارات الاجتماعية دفعته كثرة التماس مع المظالم إلى جعل كل التذمرات النسوية من قبيل المستوى الأول والثاني؛ وكلا طرفي المسألة عنده خلل، والفقيه الحق يحفظ حق الحق وحق الخلق، ويمايز بين دوافع ترجيحه؛ كما أشار ابن دقيق العيد -رحمه الله- بقوله :
    ” واعلم أَن تقديمَ أرجح الظنين عند التقابُل هو الصوابُ إن شاء الله، غير أنا نراهم إذا انصرفوا إلى النظر في الجزئيات يخرج بعضهم عن هذا القانون، ومن أَسباب ذلك اشتباهُ المَيلِ الحاصل بسبب الأدلة الشرعية بالميل الحاصل عن الإِلْف والعادة والعصبية، فإن هذه الأمورَ تُحدِثُ للنفس هيئة وملكَةً تقتضي الرجحانَ في النفس بجانبها، بحيث لا يشعر الناظرُ بذلك، ويتوهم أنه رجحانُ الدليل”[11]

المحصل: أن مستويات الكراهة مختلفة، والانزلاق من مستوى لآخر ممكن، والعاقل لا يغفل عن الحق، ولا يظلم الخلق؛ فللمعارك الفكرية سمتها، وللعلاج الاجتماعي صفاته، وتقرير الحكم برشد لا يتأثر بردود الأفعال تأييدًا ورفضًا، والشريعة تنقل مورد القسمة من (ذكر/أنثى) إلى (ظالم/مظلوم) بصرف النظر عن جنسه، فتقف مع المظلوم، وتقرّع الظالم، فلا نسوية، ولا ذكورية؛ بل ربانية .
————
[1] سورة البقرة 216
[2] جزء من حديث في صحيح مسلم رقم (215)
[3] مدارج السالكين (2/173)
[4] جزء من حديث رواه أبو داود (3597) وأحمد (5385)
[5]سورة محمد آية 9
[6]انظر : تحفة المحتاج (7/244)
[7]انظر: المغني (7/43)
[8]عون المعبود (6/84)
[9]مطالب أولي النهى (5/621)
[10]شرح النووي على مسلم (6/219)
[11]الإلمام (2/421)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s