الفقيه الإنسان

أحبّ للفقيه أن يتعاهد غراس الجمال في روحه، فالفقه ليس كبقية العلوم؛ إنه علم فاعلٌ متصل بالإنسان في كل أحواله، وليس مجرد معارف يمكن دركها باشتغال ذهني مجرد .
ومن مواطن الجمال التي أتلمسها في بعض تراجم الفقهاء حسن معاملتهم مع تلامذتهم من ذوي الحظ القليل من الذكاء، هذا السلوك دلالة سواء نفسي عند الفقيه؛ ومن كان سويًا نفسيًا ومتزنًا معرفيًا كان أقدر على تلمس الجمال في مطاوي الشريعة، ومراعاة فقه الموقف في فتاويه؛ بعيدًا عن التعامل الرياضي الحدّي مع مكونات المسائل .
جاء في ترجمة إبراهيم بن محمد الصبيبي -رحمه الله- :
“… وكان يعرف فنوناً تفرد بها وكان سالكًا طريق من سلف حسن الشكل، لين الجانب، كثير الإحسان للطلبة، معلما ناصحاً، ومفيداً صالحًا، يقرب الضعيف من الإخوان، ويحرص على إِيصَال الفائدة للبليد المستهان، وكان ربما ذكر عنده المبتدى الفائدة المطروقة فيصغى إِليها كأنه لم يسمعها جبرًا لخاطره، وكان جماليًا فِي سائر شؤونه؛ يحب الجمال بالطبع، وكان مثابراً على إِيصَال البر والخير لكل محتاج” [1]
ولا عجب لمن كان “جماليًا” في سائر شؤونه أن يوفق لجمال الخُلق، وجبر الخواطر، ومراعاة الضعفة؛ لا أمل الدهشة من هذا الوصف؛ “وكان جماليًا في سائر شؤونه”.
وهذا التقريب الودود للعلم مع التمكن وسعة الاطلاع مما يمدح به الأكابر، والحكيم من لا يضيع حق العلم بالمبالغة في تسهيله، ولا يضيع حق الخلق بصدّهم عنه؛ لا يُبقيهم على ضعفهم، ولا يستمر في تقريعهم من مكانه؛ بل يمد يده لينقلهم لمستواه بلطف وحسن تأتّي، وسيرى النتائج مع مرور الوقت .
مصداق ذلك ما وقع لمحمد بن محمد؛ أبي الفضل المشدالي، فقد ترجم له الشوكاني -رحمهم الله- وألمح لهذا المسلك مع ضعفة الطلبة فقال:
“ودرس النَّاس في عدة فنون فبهر العقول، وأدهش الألباب، على أسلوب غريب؛ بعبارة جزلة، وطلاقة كأنها السيل، بحيث يكون جهد الفاضل البحاث أن يفهم مَا يلقيه، حتى قال له الطلبة: تنزل لنا فِي العبارة فإنا لَا نفهم جَمِيع مَا تَقول .
فقال: لَا تنزلوني إليكم ودعوني أرقيكم إليّ فَبعد كذا وكذا -مدّة حدها- تصيرون إِلَى فهم كلامي؛ فكان الأمر كما قال”[2]
لا أبالغ إن قلتُ أن الفقيه الإنسان أقرب لإصابة الحق في كلامه من أجلاف الطبع، أصحاب المنزع الآلي في التعلم، وأن الجمال الروحي للفقيه يبدأ من تعامله مع ضعاف تلامذته في الإدراك والمعيشة وسيكون حاضرًا معه في حسن تفهمه لأحوال الضعف البشري قبل نطقه بفتوى، أو تقريره لمقصد، أو ضبط معنى احتياج، أو تقدير حجم اضطرار .

—————-
[1] خلاصة الأثر للمحبي (1/42)، وفي هذا المعنى بألفاظ تكاد تكون متطابقة انظر ترجمة الإمام الأصولي عبدالرحيم الأسنوي في : الدرر الكامنة (3/148) و البدر الطالع (1/353)
[2] البدر الطالع (2/248)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s