حبل الإنقاذ

مما يثير الشجى في نفسي قراءة أحاديث من مروا بتحولات فكرية حادة، أحب التأمل في أحرفهم وهم يحكون كيف كانت تتقاذفهم أمواج الأفكار، وكم كانوا يلوحون لشواطئ الطمأنينة مرارًا دون أن يراهم أحد.
واقعيًا؛ لا أجد في نفسي حبًا لمديح حالة القلق المعرفي حيال القضايا الكبرى، أحب برد اليقين، آنس بطمأنينة الإجابات الربانية؛ لا تغشاني رغبة للمغامرة بأمر قد يجعل صبيحة ليلتي إلى النار، حتى ولو غلبني نازع الاستعراض وادعاء العمق؛ فسأجعله في أمر بعيد عما يوبق دنياي وأخراي .
أشفق بكل مابي على المتسائلين الصادقين، وأدعو الله لهم بأن يدفئ قلوبهم المرتجفة بأردية التوحيد السابغة .
تشدني التجارب الإنسانية الصادقة، وأجدني ميالًا إلى قراءة كتب السير واللقاءات، ومما يعجبني بها لحظات الاعتراف الصادقة بالتيه، ومصارعة الأفكار والحيرة، وكم رأيتني مرة أوقف عيني على رؤوس أصابعها تطاولًا لقراءة أسطر مابعد التيه، أحب لحظات انسكاب القرآن على الأرواح المشتعلة بالشك .
نازك الملائكة؛ التي ملأت الأرض شعرًا، حفظتُ لها مرة معنى لطيفًا يخالف السائد المعتاد من أوصاف المتغزلين تقول :
قطّب، سئمتك ضاحكًا، إن الربى
بردٌ ودفءٌ لا ربيع خالدُ
العبقرية يا فتاي كئيبة
والضاحكون رواسبٌ وزوائدُ [1]

كانت كأنها تصفُ نفسها، فقد مرت بحالة شك واكتئاب وتساؤل، تحكي عن حالها في لجج الشك وكيف وجدت حبل الإنقاذ أمامها، تقول :
“لقد أنقذني القرآن الكريم من الإلحاد، وكان ذلك عام ١٩٥٥، فقبل هذا العام كنت ملحدة لا أؤمن بوجود الله، وأعتقد أن القرآن من إنشاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا العام كنت في الولايات المتحدة للدراسة، فدعتني إحدى الجمعيات النسائية الأميركية إلى إلقاء بحث عن المرأة في الوطن العربي . وكنت أكاد لا أعرف من القرآن إلا ما درسته في المدرسة، وألجأني البحث المذكور إلى القرآن بحثًا عن الآيات المتعلقة بالمرأة، وما كدت أرجع من مكتبة جامعة “وسكونسن” التي كنت أدرس فيها حتى عثرت على رف كامل من نسخ القرآن، وانغمست في قراءته، فإذا هو يبهرني بهرًا كاملًا. لاح لي أن هذا الكلام يبلغ من الجمال والتعبيرية مبلغًا لا يمكن لبشر أن يصل إليه . وثبت عندي أن هذا كلام الله، كان في الآيات نور أحسسته بكياني كله .
وكانت هذه المناسبة سببًا مباشرًا للإيمان الكامل الذي تم في حياتي سنة ١٩٥٧ عندما بدأت أصلي . والإيمان بالله غير حياتي من حال إلى حال، فقد كنت حزينة فأصبحت فرحة مطمئنة ” [ 2 ]
وهكذا أتاها الحبل الممدود لينقذها، لتكون على شاطئ الإيمان والسكينة التوحيدية .
وأنا أتتبع بعيني قلبي هذه القصص؛ وجدت الحبل -ذات الحبل- يشكل نقطة تحول في حياة بديع الزمان النورسي فحكى عن نفسه قائلًا :
“كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة، إذ بخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالى يغطي على قلبي ويهتف بي :
إن بداية هذه الطرق جميعها .. ومنبع هذه الجداول كلها .. وشمس هذه الكواكب السيارة .. إنما هو القرآن الكريم؛ فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلا في القرآن الكريم” [ 3 ]
وهذا الحبل الذي أوصل نازك والنورسي لم يكن خاصًا بالمسلمين، قرأت قصة مؤثرة لعالم رياضيات – اشتهر لاحقًا- اسمه جيفري لانغ يروي قصة شكه، وانتقاله من الإلحاد إلى الإيمان عبر هذا الحبل، يقول :
” وإذا ما اتخذت القرآن بجدية فإنه لا يمكنك قراءته ببساطة… بدا واضحًا أن مبدع القرآن كان يعرفني أكثر مما كنت أعرف نفسي… وفي كل ليلة كنت أضع أسئلتي واعتراضاتي، ولكنني كنت إلى حد ما أكتشف الإجابة في اليوم التالي؛ ويبدو أن هذا المبدع يقرأ أفكاري … كنت أشعر بالانقياد بحيث أشق طريقي إلى الزاوية التي لم تحتوِ سوى خيار واحد” [ 4]
الآن فقط فهمتُ معنى المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم “فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا بعده أبدًا” [5]
الانغماس القرآني حاجة معرفية وسلوكية، أمان من الغرق، أمان من الكفر، يقول ربي جل وعلا : “وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم”[6]؛ فالاعتصام بهذا الحبل هداية وأمان من الكفر، هذا في شأن من يُتلى عليه؛ فكيف بمن يتلوه! كيف بمن يتدبره ويعمل به !

وللوقفات بقية إن أحيانا الله

——————-

[1] ديوان نازك الملائكة، قصيدة (دعوة إلى الحياة) 2/404 ، اللطيف أن القصيدة خرجت ضمن ديوان (قرارة الموجة) عام 1957 .
[2]محاورات أجراها أ. محمد رشيد العويد ص١-٢
[3]سيرة ذاتية لبديع الزمان سعيد النورسي ص١٩٤، أعدها وترجمها: إحسان قاسم الصالحي، وقد جمعها من مجموعة كتاباته وواءم بينها.
[4]الصراع من أجل الإيمان، جيفري لانغ، ص٣٤، ترجمة: د. منذر العبسي
[5] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (12/165) ورجح ابن أبي حاتم إرساله في العلل (4/580)
[6] سورة آل عمران آية 101


One thought on “حبل الإنقاذ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s