طربات علمية

جمعتُ قبل سنوات جزءًا لطيفًا في “طربات الأكابر” أتبلّغ في أوقات السأم، وآنس بها عند انصراف الذهن، وأعني بها : أحوال الانتشاء والخفة التي تحصل حين يهطل رذاذ المعنى على صحراء أفكارك .
كانت مزيجًا بين أخبارٍ عن أريحية تأتي عند سماع بيتٍ مطرب، أو الوصول لحل معضلة علمية؛ فمنهم من كان يسبح، ومنهم من كان يقول عبارات بعيدة عن وقاره المعهود، ومنهم من كان يضرب بقدميه، والأمثلة التاريخية عندي متوافرة، وقد أضفت تحليلات انطباعية عن الدوافع والأطوار العصبية لوهج الكلمة والمعنى؛ لم أنشرها ولن، والحمد لله على نعمة الحياء .
وشأن المجالس الأدبية في هذا معلوم؛ إذ إن الفنون تخاطب مناطق التلذذ والانفعال مباشرة، أما العلم الصرف فالتلذذ به أبعد، والطرب به يأتي في مرحلة تالية، وممن حُفظ عنه في ذلك : ابن حزم رحمه الله، فقد كان مسجونًا، فطرأت له مسألة إبان ضيقه والحال الحال؛ يقول عن نفسه :
“وكنت مفكرًا في مسألة عويصة من كليات الجمل التي تقع تحتها معان عظيمة كثر فيها الشغب قديمًا وحديثًا في أحكام الديانة وهي متصرفة الفروع في جميع أبواب الفقه، فطالت فكرتي فيها أياما وليالي إلى أن لاح لي وجه البيان فيها وصح لي وحق يقينًا في حكمها وانبلج، وأنا في الحال الذي وصفت فبالله الذي لا إله الا هو الخالق مدبر الامور كلها أقسم، والذي لا يجوز القسم بسواه، لقد كان سروري يومئذ وأنا في تلك الحال بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به وإشراق الصواب لي أشد من سروري بإطلاقي مما كنت فيه” [1]
ولنا أن نتخيل بسمته بحل هذه المعضلة، وكيف غاب شعوريًا عن محيطه الزماني والمكاني؛ هذه لذة فوق اللغة .
ومن هذا الباب أيضًا ما قرأته في ترجمة محمد بن أحمد أبي جعفر النسفي، قال ابن الوردي عنه :
“كان عالمًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وصنف تعليقة مشهورة، وكان فقيرًا متزهدًا، فبات ليلة مكروبًا من الإضافة، فوقع له فرع من فروع مذهبه، فأعجب به فقام قائمًا يرقص في داره، ويقول: أين الملوك وأبناء الملوك، فسألته زوجته عن حاله، فأخبرها فتعجبت” [2]
وقريبًا من هذه الطربة العلمية ما حدّث به الأستاذ ربيع السملالي عن أحد المعاصرين حين قال :
“من النوادر التي حكاها لي الشيخ محمد بن إدريس بلبصير الضرير حين كنت قارئه وقائده؛ قال : عندما كنت طالبًا بجامع القرويين بفاس، كان يسكن بالقرب من البيت الذي أقيم فيه مع الطلبة فقيه له مكتبة فوق السطوح، يظل فيها الليل كله يبحث ويتدبر ويستنبط، وكان إذا فتح الله عليه في مسألة من المسائل يأخذ دفًا كان يعلقه في حائط غرفته ويبدأ في الضرب عليه بسعادة وفرح، وكان الناس إذا سمعوا ضرب الدف يقولون : هاهو الشيخ قد فهم” [3]
هذه ثمرة الانغماس العلمي التي لا تحصل إلا بعد مرحلة الحرث المتعب، والسقاية الدائمة، حتى إذا أتت الثمرة تلذذ بطعمها، أما قبلها فلا يكون التلذذ إلا حين الكتاب بعيدًا عن العلم، متصلًا بأسباب الفنون والمتع -وإن غضب مني أصحاب الغزل القرائي والقهوة السوداء- .
وقد وقع يقينًا أن محبًا للعلم كان يقارن بين تعاطي الجويني في برهانه والغزالي في مستصفاه لذات المسألة؛ فيصرخ بنشوة “يا رباااه” بصوت المعلق : فارس عوض، فتدخل زوجته وهي تمرر سبابتها معروضة على فمها ثم جبينها -كعادة من رأى مجنونًا- وهي تردد: الحمد لله والشكر .

—————
[1] التقريب لحد المنطق لابن حزم ص199-200، من تحقيق : د. إحسان عباس
[2] المنتظم (15/162)
[3] أفكار على ضفاف الانكسار لربيع السملالي ص57


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s