شيوخ الماستر كي

من الأفكار التي أكرر على أسماع من حولي أن التخصص بفن من الفنون لا يعني الإحاطة بمسائله ومفاصله، وإنما الشأن في إدراك ذوق الفنّ الذي تتحدث فيه، وأن التخصص ليس ضرورة لتعذر جمع المسائل بل لصعوبة إدراك ذوق الفن قبل سنوات من المعالجة والمعايشة الدائمة .
وكم من متحدث في الشأن الفقهي لا تنقصه القدرة للوصول للأقوال، ولا التشدق بمصطلحات الترجيح والصناعة الفقهية والمقاصدية وروح الأحكام وإنشائيات لا تخفى عليكم؛ لكنك لا تجد في أقواله رائحة الفقه التي لا تأتي إلا لمن أدرك ذوق الفنّ وخبايا كواليسه .
وسترى متحدثًا في العقائد يأتي بروح أجنبية عنها فيفسد أكثر مما يصلح، وسترى منتصبًا للرد على الشبهات لم يرزَق هذه الملكة ولا يعرف كيف يكون الحديث عن الأفكار .
إن أردت إظهار موسوعيتك فستجد في هذا الفضاء ما يعينك على الثرثرة بكبسة زر، لكني لك ناصح :
اطرق باب علمٍ شريف وحاول حيازة مفاتحه؛ فإن فُتح لك فالزمه، واحفظه مفاتحه في جيبك، واخرج لفن ثانٍ كحدّ أعلى مشاركًا، وإن لم يفتح لك فاطرق بابًا آخر، أكثر من ذلك فلا تطرق الباب إلا طرق سائل مستفسر؛ خذها مني : لا يوجد “ماستر كي” لفتح كل أبواب العلوم .
أمر آخر لنكن منه على بال: دراستك لتخصص جامعي عويص لا يمنحك تأشيرة مفتوحة لفهم كل العلوم خارجه مهما بدت لك سهلة، ليس هذا فقط؛ فقد ترى المجتهد ضعيف الذكاء محسنًا لباب لو بذلت فيه أضعاف جهده ما بلغت منزلته؛ ذلك أن طبيعتك قد تعينك على نوع من العلوم، وتتأبى على الآخر؛ ولو كان هذا الآخر في عينيك أسهل، وقد رأيت بعيني من يعيب على خصومه الضعف في فنه، وينوح على ضعف تحريرهم، ثم إذا خرج وتحدث في فن آخر -بنفس الثقة- أتى بالمضحكات .
يقول ابن الأثير مشيرًا لهذا الملمح:
“وكثيرًا ما رأينا وسمعنا من غرائب الطباع في تعلُّم العلوم، حتى إن بعض الناس يكون له نفاذ في تعلُّم علم مشكل المسلك، صعب المأخذ، فإذا كلف تعلُّم ما هو دونه من سهل العلوم نكص على عقبيه، ولم يكن فيه نفاذ”[1]
فدراستنا لدقائق الطب، أو معضلات الهندسة، أو غوامض اللسانيات؛ لا تجعل دراسة باب شرعي أسهل، العلوم ليست كتلًا حديدية ينظر لها أن من حمل الأثقل استطاع حمل الأخف من باب أولى؛ هذا وهم .
وقد وقع هذا عمليًا لرجل من أذكياء الدنيا؛ النظّام المعتزلي، قال أبو هلال العسكري:
“وقد حُكي عن النظام أنه قال : لو نظرت فِي العروض لأحكمته في يومين . قال الأخفش:
فنظر فيه فلم يعرف المتحرك من الساكن في شهرين . والطبيعة تسهل الطّرق وتقرب الْبعيد”[2]
أرأيتم السر ؟ “والطبيعة تسهّل الطرق وتقرّب البعيد”، فليس من شرط ذكائك أن تظهر بمظهر “الشيخ الشامل” ولن يعيبك لو كنت متقنًا لفنّ تتصدر منابره، أن تعود لمقاعد التعلم في فنون أخرى تسأل وتستفسر وتدعو لشيخك الذي قد يكون دونك في حدة ذكائك؛ وكلنا في مرحلة ما من حياتنا توهمنا أن معدلاتنا العالية، أو تخصصاتنا الجامعية، أو ثناءات من حولنا= تجعل منا مالكين وهميين لـ”ماستر كي العلوم” .

اللهم بصرنا بأنفسنا، وارزقنا شجاعة الاعتراف بما ينقصنا .

—————-
[1] المثل السائر لابن الأثير (1/ 38)
[2] الحث على طلب العلم لأبي هلال العسكري ص48


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s