حديث في الفاعلية العلمية:

أُحب الفقيه الحي الذي يشارك الشباب همومهم المعرفية، ولا يتعالى على أسئلتهم، أو يتذمر من شبهاتهم الحقيقية، أو يبادر بالتقريع والكبت؛ من انتصب لمعايشة الشباب فكريًا فليعد نفسه لمواجهة طوفان من التباينات النفسية والمعرفية والمزاجية؛ لكنّ في ذلك حسن العاقبة ورحب المنقلب لمن أخلص .
حاجة الشباب كبيرة إلى قدوات متميزة معرفيًا وتشاركهم الجلوس، والمعايشة، والمزاح، واللغة، والهموم الوجدانية، ومخاوف المستقبل، وأحاديث الألم والأمل، ومن أوتي تمكنًا علمية وسماحة روح فقد تربع على قلوب يوحشها فراغ الأستاذ الموجه القريب .
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي قاعدًا بعد طول معايشة للناس وهمومهم وحاجاتهم؛ أو بتعبير أمي عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- “بعدما حطمه الناس”[1]؛ وكلمة “حطَمه” ناصعة الدلالة على المراد، وعلى أثره سار صحابته -رضوان الله عليهم-؛ فقد روى الصحابي الشاب ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه خرج حاجًا مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فسأله مسألة بعد طول تردد وتهيب فأجاب، قال ابن عباس : “والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك؛ قال : فلا تفعل؛ ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي من علم خبرتك به…”[2]
فالشباب يمور صدره بأسئلة تريد أذنًا مستمعة قبل أن تبحث عن لسان مجيب، وهذا الذي عنيته بالفاعلية هنا؛ أن يكون الفقيه قريبًا من الشباب ليستصلح منهم قدر استطاعته .
يحكي الصفدي عن نفسه اجتماعه بشيخ الإسلام ابن تيمية -رحم الله الجميع-؛ وكيف كان يتحسس مواطن السؤال والشك والشبهة في نفسه :
“ثم اجتمعت به بعد ذلك (أي: ابن تيمية) مرات عديدة، وكان إذا رآني قال:
أيش حس الإيرادات ؟!
أيش حس الأجوبة ؟!
أيش حس الشكوك ؟!
أنا أعلم أنك مثل القدر التي تغلي تقول: بق بق بق أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها؛ لازمني لازمني تنتفع ” [3]

وهاهو تلميذه الأثير ابن القيم -رحمه الله- يحكي قصة قرب الشيخ من تلاميذه الشباب وتثبيته لهم ومعايشته لمخاوفهم، يقول :
“وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه (أي: ابن تيمية)، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابًا في دار العمل، فآتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها” [4]
كان شيخي وصاحب الفضل عليّ من بداياتي وحتى اليوم كلما اعتذرت عن إشغاله أو إزعاجي له، يقول كلمة لا أنساها : “إذا لم يفتح المربي ثلاثة أشياء : قلبه وبيته وجيبه= لتلاميذه فلا يتعب نفسه من البداية” وإني أشهد الله أنه أتبع القول العمل -فتح الله له أبواب جنانه- .

إذا تمّ للموفق عقله ترفّع عن الخصومات الصغيرة، واستجمع جهده لهداية الخلق، واستنقاذ الحيارى، وإرشاد المتسائلين، وبناء جيل يعرف مراد الله من أحكامه، ويرد الشبهات بعلم وحكمة، ثم لا تأخذه رسوم المشيخة وحمّى الألقاب عن الاقتراب والمعايشة -وهذه هذه-؛ فالمعطى المعرفي لا يكفي وحده، وكم من أفكار قبلناها أوائل عمرنا لا لقوتها العلمية -فنحن لا نميز آنذاك- بل لأننا نحب من أخبرنا بها؛ فليس بالبرهان وحده يعيش الإنسان.

————-
[1] رواه مسلم (732)
[2] رواه البخاري (4913)، ومسلم (479)
[3] الوافي بالوفيات (7/15)، وينظر ما سطره أبو الفضل القونوي في كتاب “موقف خليل بن أيبك الصفدي من شيخ الإسلام ابن تيمية” 68- 69؛ والكتاب لا يخلو من نفس بحثي تحليلي معجب، وفي أسلوبه تحامل وفي بعض نتائجه نظر .
[4] الوابل الصيب ص 48، وانظر: ذيل طبقات الحنابلة (4/520)


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s