حول تطبيق تحليل أنماط الشخصية على الأنبياء عليهم السلام:

قبل نحو عام؛ كتب الدكتور شهاب الدين الهواري إجابات فيها تحليل لبعض أنماط شخصيات الأنبياء، وكلمته على الخاص لتعديل منشوره المذكور، والتصريح بالخطأ، وفعل ذلك من فوره، فتلقى بعض إخواني “الغيورين” تعديل الدكتور بما يفيد بأنه لا يكفي؛ وأني تساهلت معه، واشتد بعضهم في النكير عليّ، فكان هذا المقال الذي ذكرت تفاصيل سياقه لتستحضر:

الحمد لله وحده وبعد ..

قرأتُ وشاهدت ما شاع من مسلك تحليل أنماط الشخصية على الأنبياء -عليهم السلام-، هذا المسلك يبدو بصورة فجة في كلام الدكتور : حاتم صبري، والدكتور محمد طه -هداهما الله-، وهذا تبيان لبعض المسائل المنهجية في هذا الباب؛ وأسأل الله العون والقبول :

المسألة الأولى: باب الحديث عن صفات الأنبياء -عليهم السلام- مزلاجه التعظيم، فهم بشر أنبياء؛ وليسو بشرًا فحسب، وهذه أول الأغلاط التي يقع بها أصحاب هذا المسلك، يعمدون إلى نصوص البشرية ويغفلون نصوص النبوة وتعظيم المقام .

قال تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا” [١]

فهذه الآية عامة للنداء المباشر، وغيرها من سياقات عدم التوقير؛ فإذا كان الفقهاء قد اختلفوا في حكم تكنية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم [٢]؛ خشية أن يكون في ذلك رفعًا للحشمة وجرأة على المقام النبوي = فكيف بما هو دونها من خطابات تحلل الأنماط الشخصية بما أراه قادحًا في كمال التوقير اللازم لمقام النبوات؛ أجزم أن تحريم هذا المسلك مما لا يتردد فيه فقيه .

وأنت ترى في حديث الفقهاء وتلحظ؛ أن الخطأ في زيادة التعظيم أهون من النقص فيه، فالأول أبقى أصل التعظيم الواجب، والثاني خدش ما لا تستتم الديانة إلا بوجوده .

المسألة الثانية: وصف الأنبياء -عليهم السلام- بصفة مشتركة تحمل وجه المدح والقدح محرم بنص القرآن؛ فحين قال الجلاس بن سويد : نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول، فإنما محمدٌ أذن سامعة” [٣] فأنزل الله : “ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن” [٤]

فصفة أذن تعني أنه يستمع ويصدق كل ما يقال له؛ وبعين أصحاب مسلك التحليل فوصف الجناب النبوي بهذا يحتمل المدح بالاستماع والانصات وعدم التدقيق في التوافه، ومع ذا سماه الله “أذى” لوجود معنى سيء قد يفهم منه .

فكل وصف سواء كان في معجم الطب النفسي أو أي حقل آخر تنطبق عليه هذه القاعدة .

المسألة الثالثة: العرف الاجتماعي يحدد الدلالة، فما تعارف الناس على أنه ذم لم يصح وصف الأنبياء به بوجه من الأوجه، وهذا معتبر عند من له أدنى بصر لساني؛ فالسياق الاجتماعي له وظيفة لغوية، وقد قامت مدرسة “لندن” في اللسانيات على هذه الفكرة [٥] خاصة أصحاب نظرية “سياق الموقف” [٦] .

فوصف الأنبياء بالهوس وغيرها مما له ظلال سيئة في العرف الاجتماعي يصيّرها كلمة ذم، والذم في حق أنبياء الله شديد شديد، وعدم التعمد لا يغير من وصف الخطأ، لكنه يغير من وصف الخاطئ؛ فيجعل له مساحة إعذار حتى ينبه .

المسألة الرابعة: هذا المسلك لا علاقة له بمبحث بشرية الأنبياء عليهم السلام، ولا بما سطره الأصوليون في باب “التصرفات النبوية”[٧]؛ بل هي أنسنة/ علمنة للنبوة على سنن كانط الذي جعل المسيح -عليه السلام- مثالًا أخلاقيًا دون بُعد نبوي، واسبينوزا الذي تحدث عن الخيال والمعجزات في “رسالة في اللاهوت والسياسة”، ثم تبعهما من حداثيي العرب من تبعهم؛ حسن حنفي كمثال في “علوم السيرة” .

هذه الأنسنة/العلمنة تجعل غاية ماوصل إليه الأنبياء من فضل هو في البعد القيمي الأخلاقي، أما النبوات وما يحف بهذا المقام فملغاة بدعوى البشرية -وللتفريق بين البشرية والإنسانية في المخيال المعاصر تفاصيل وذيول-

المسألة الخامسة: أحب أن تبقى جذوة الغيرة على مقام النبوة متقدة في أرواحنا، لذا فكل من تجاوز بحقي بعد نشري لتعديل الدكتور شهاب -وفقه الله- في حل؛ حبًا في أن تبقى الغيرة الشرعية حاضرة، أما ما أدين الله به فهو أن تصريح الدكتور بأن وصفه السابق كان خطأ غير مقصود= أسعدني، والمرجو منه وهو الذي أحسبه معظمًا للوحي أن يستمر في نفع الشباب والشابات بعيدًا عن تطبيق هذه الأداة في حق الأنبياء -عليهم السلام-، وحقنا أجمعين على بعضنا ألا نعين الشيطان على من عاد وصرح بخطئه؛ ومن يغلق باب التصويب والله فاتح أبواب التوبة، مهما كان حجم الاتفاق والاختلاف في بعض التفاصيل؛ ومباحث تقدير المصالح والمفاسد في الإنكار مما وسع الأقدمين، وأحسب أنه يسعنا؛ إن صدقنا الله في بيان الحق ورحمة الخلق .

الخلاصة: لا يجوز تطبيق أداة تحليل أنماط الشخصية على مقام الأنبياء، هذا فعل فيه خدش لكمال التعظيم النبوي عند أقوام، وكسر لأصل التعظيم عند آخرين .

——————

[١] سورة النور ٦٣

[٢] انظر: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (٧/ ٢٥٣-٢٥٥)

[٣] تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٢٦) والدر المنثور (٤/ ٢٢٧)

[٤] سورة التوبة ٦١

[٥] لشرح أفكارهم انظر كتاب مؤسسهم : papers in linguistics – john rupert firth

[٦] انظر : language and communication . vol.9 . issue:4 . 1989 . p.p 254 – 267 .

فيه مقالة جميلة كتبه : جورج وولف عن معنى “سياق الموقف”

[٧] انظر : قواعد الأحكام للعز بن عبدالسلام (٢/ ٢٤٤ – ٢٤٥)، والفروق للقرافي (١/ ٢٠٥ – ٢٠٩)؛ ثم تبعهما من بعدهما بتفاصيل وتوسعات .


رأيان حول “حول تطبيق تحليل أنماط الشخصية على الأنبياء عليهم السلام:

  1. “أحب أن تبقى جذوة الغيرة على مقام النبوة متقدة في أرواحنا ”
    يآرب أبقها متّقدة في أرواحنا~

    تنبيه جليل والله..
    بارك الله فيكم ونفعنا بعلمكم..

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s