رسم ذوات الأرواح باليد

الحمد لله وبعد..

المسألة:

ما حكم رسم ذوات الأرواح باليد؟

قبل أن أجيب سأذكر تحليلات تثير التفكير الفقهي للتدريب وفهم مسالك التفقه في النصوص.

الخطوة الأولى: جمع النصوص الواردة في التصوير وفرز سمات المنع فيها؛ وسأكتفي أحيانًا بدليل واحد لكل نوع:

1- الاشتراك اللفظي:

حيث وردت أحاديث النهي عن التصوير، ولعن المصورين، ومن ذلك؛ قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

“من صوّر صورة؛ فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح”[1]

فترى الفقيه يحرم كل ما يدخل فيه معنى التصوير.

2- مضاهاة خلق الله:

حيث وردت أحاديث تحرم الصور وتربطه بمضاهاة خلق الله؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم ” أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله”[2]

3- الإشغال عن الصلاة:

كقوله صلى الله عليه وآله وسلم “أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي” [3]

4- ذريعة الشرك:

كقوله صلى الله عليه وآله وسلم “أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصورة ..”[4]

الخطوة الثانية: النظر في الفوارق:

الناظر في صنيع الفقهاء يجد أنهم فرقوا بين محددات معينة:

1- التفريق بين ذوات الأرواح وغيرها:

وعمدتهم في هذا قول حديث ابن عباس “إن أبيت إلا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، وكل شيء ليس فيه روح”[5]

2- التفريق بين المسطح والتمثال المنصوب:

فقد روى ابن أبي شيبة؛ حدثنا وكيع، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم قال: “لا بأس بالتمثال في حلية السيف، ولا بأس بها في سماء البيت، إنما يكره منها ما ينصب نصبًا” [6]

3- التفريق بين المعظم والممتهن:

واختلفوا في حد الامتهان ومعناه[7]

4- التفريق بين الصناعة وبين النظر والزيارة لمواضعها:

فرخص بعضهم في الثانية دون الأولى [8]

الخطوة الثالثة: تحرير المؤثرات:

1- تحرير معنى التصوير المحرم؛ ويظهر فيه أن النحت المجسم هو غالب المقصود بلفظ التصوير في ذلك الزمان.

2- تحرير معنى المضاهاة؛ وهي التشبه لا تتحقق بالرسم المسطح كما نصّ غير واحد.

الخطوة الرابعة: تركيب النتيجة:

يظهر جواز رسم ذوات الأرواح باليد، لحديث :

“ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيدالله : ألم تسمعه حين قال : إلا رقمًا في ثوب” [9]

والرقم رسم مسطح ليس له ظل.

وقد روي عن عدد من الصحابة ما يعضد هذه النتيجة؛ فقد كان خاتم النعمان بن مقرن أيلًا قابضًا إحدى يديه باسطًا الأخرى، وكان نقش خاتم حذيفة كركيكان [10]، وروي عن بعض التابعين مثل هذا؛ فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عون قوله: “دخلت على القاسم وهو بأعلى مكة في بيته، فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء”[11]

قال الحافظ ابن حجر:

“والقاسم بن محمد أحد فقهاء المدينة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة، فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحجلة ما استجاز استعمالها”[12]

ولا فرق بين التصوير الفوتوغرافي والرسم اليدوي والرسم بالكمبيوتر؛ فالرسم حبس -يدوي- للظل أيضًا، ومن قال أن التصوير لا تصرّف فيه للمصور فلا يسلم له؛ إذ إن براعة المصور مؤثرة، وتصوير المحترف ليس كتصوير المبتدئ؛ فلو صحّ أن مجرد المجهود فيه مضاهاة لانسحب الحكم على الاثنين.

ويخرج من إباحة الرسم المسطح ما مسّ مناطات التحريم الآنفة؛ كالجداريات الضخمة المعلقة تعظيمًا لزعيم أو رئيس، أو التي تشغل المصلين.

خاتمة:

هذه المسألة مما يقبل الخلاف لي تركيب النتيجة، والنظر الفقهي يقتضي اختيار الأقوى الذي يطيق الفقيه دفع الاعتراضات عنه، أما الحسم بنفي الاحتمالات عن القول الآخر فهذا منزع نفسي أكثر من كونه قوة معرفية.

وقد رأيت عددًا من المسالك المغلوطة -عند المبيحين والمحرمين- في تناول مسألتنا؛ أحب ذكرها:

1- مسلك القفز إلى التسليم: فالتسليم لأوامر الله حق، لكن حين يثبت الحكم في حقك، أما أن نقرر فهمًا اجتهاديًا ثم نخضع الخصم نفسيًا بنصوص التسليم، فليس مسلكًا علميًا؛ وغايته الدعوة للتسليم بقولك وفهمك لا بالنص.

2- مسلك تهوين المسألة: بذكر اعتراضات أجنبية عن روح الفقه، كقول القائل أنها مسألة محسومة؛ وهي ليست بذاك، ولن يتعاطى الفقه -المركب من مؤثرات غير إجماعية- بطريقة “نقطة وانتهى”.

3- مسلك القفز لجعلها من المشتبهات؛ وهذا مسلك خفي، كأن يقول لك: وقع فيها خلاف اتركها فهي شبهة؛ وهذه مسألة مهمة، يكثر الغلط بها، فليس كل ما وقع به الخلاف تحدثنا عن أنها شبهة تُترك، وللموضوع تفاصيل مطربة عند الفقيه ابن المنذر ليس هذا موضعها، أحيل عليها تخفيفًا على القارئ[13]

4- مسلك حاكمية الماضي؛ فأحاديث الغرباء، وتغير الزمان؛ ليست مرجحات في ذاتها، بل لها مواضع مختلفة في البناء الفقهي.

5- مسلك الحسم في مواطن الاحتمال بدعوى وضوح دين الله؛ هي دعوى في أصلها صحيحة، ومثالها لا يستقيم، وكما قلتُ: القول المختار ليس القول الذي لا اعتراض عليه؛ بل هو القول الذي تستطيع دفع اعتراضاته أكثر من غيره.

——-

[1] البخاري 2225 مسلم 2110

[2] البخاري 5945 مسلم 2107

[3] البخاري 374

[4] البخاري 1341

[5] البخاري 2225 مسلم 2110

[6] المصنف 25207

[7] ينظر: رد المحتار (648/1) مواهب الجليل (551/1) مغني المحتاج (408/4) الإنصاف (474/1)

[8] حاشية الجمل (276/4) حاشية قليوبي (298/3) المغني (283/7)

[9] البخاري 3226 مسلم 2106

[10] شرح معاني الآثار للطحاوي (263/4)

[11] المصنف 25301

[12] فتح الباري (388/10)

[13] أفردها الشيخ الفقيه عبدالله بن عبدالعزيز الجبرين عن تحقيقه للإقناع؛ وهي ضمن المجلد الرابع من مجموع الرسائل الفقهية للشيخ الجبرين-رحمهما الله-.


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s