بابٌ في قانون فهم الكلام


الحمد لله وحده وبعد.
كتبتُ بالأمس منشورًا فكرته: الشكوى التي تغم ويمكنك كتمها فمن المروءة أن لا ترهق غيرك بها، خاصة إذا لم يكن بيده شيء يصنعه لك، لك أن تشكو لكن لا تتخذها عادة وإدمانًا.
هذا المعنى أراه واضحًا، ولما جلستُ مع نفسي وجدتُ أسبابًا لموجة الاعتراضات، وقلت في نفسي: لماذا لا تنبه على بعض أصول الغلط في فهم الكلام، ولن أتعرض بتوضيح لذات الفكرة، المقصود الخروج منه بفوائد في طرائق الفهم.
ومن هذه القواعد المنهجية المهمة:
1- الأصل في اختيار اللفظة إيصال المعنى؛ لا وجود لعبارة لا يمكننا توليد احتمالات غير مقصودة لنستدرك.
‏توليد الاحتمالات وظيفة “المحقق الجنائي” لا متعاطي المنتج اللغوي.
حين نقول: “الحياة حلوة بس نفهمها”
فمن ضعف الفهم أن يُرد بأن الدنيا دار بلاء، والحياة حلوة ومرّة، ولا تحكم بهذا التعميم.
2- بعض العلوم تساعد على ضبط الفهم، وتحسين التفكير في الكلام؛ لو قرأ أحدٌ منا مثلًا: الفرق بين العام والمطلق عند الأصوليين لنسفت نصف اعتراضات وسائل التواصل.
3- في كل حقول المعرفة لابد أن ندرك أن كثرة التعرض للقيود والتفاصيل في كل سياق عجمة، عند فلاسفة القانون مثلًا: يقولون إذا كثرت الأنظمة واللوائح زادت فرصة التلاعب.
وفي فهم الكلام على مقصود أهله يقول الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-:
“من فصيح الكلام وجيّده الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطاب الوارد في الكتاب والسنة وكلام العلماء، بل وكل كلام فصيح، بل وجميع كلام الأمم، فإن التعرض عند كل مسألة لقيودها وشروطها تعجرف وتكلف وخروج عن سنن البيان وإضاعة للمقصود” [1]
4- لاحظت خلطًا بين تقرير حكم الأصل، والوعظ ببعض المقامات، حين يقال: حسنٌ أن تكتم الشكوى التي تغم وليس بيده مستمعك إلا القلق فلا يقال: لكن الأصل جواز الشكوى، نحن في منطقة غير تقرير الأصل.
نعم الأصل جواز الشكوى؛ لكننا نتحدث عن ضبط هذا الأصل، ومقصود الكلام: كبح الانزلاق لا منع أصل التحرك.
وهذا مسلك معلوم في الاعتراضات؛ تعظ بالزهد لكبح المنزلق، فيقال: لكن الأصل جواز التجارة، ومن الصحابة من كان غنيًا؛ كل هذا خارج منطقة البحث، فلا ينازع أحد في الأصل.
5- وجدتُ في الاعتراضات نزعة “الإنسان القانوني” الذي ينظر لكل الدنيا بعين الحقوق والواجبات، فالرجل المعترض يقول: من حقي الشكوى، هل أصبح جمادًا لترضى؟ والمرأة المعترضة تقرأ في كلامها رغبة في معرفة كل شيء، وتراها تكرر: هل تريد أن يخبئ عني؟ هل أعيش غافلة عما يحاك من خلفي؟ وكل هذا نابع من نزعة الإنسان الاستحقاقي الذي تتكون الدنيا عنده من حقوق وواجبات؛ دون أن تكون له مساحات أوسع من المروءات والنوافل الأخلاقية.
حتى تضخيم المشاعر أتت من بوابة الحقوق؛ وأن هذه المشاعر من حق الإنسان أن يقاتل ليحصل عليها.
6- من الأفكار التي خطرت ببالي عند قراءة الاعتراضات أهمية تقرير المرجعية المنهجية كحجية الإجماع وقول الصحابي وفهم السلف -بشروطه-؛ إذا كنتُ بينهم، أحدثهم بلغة قريبة، وأوضّح، وأبسّط، ومع ذا وقع اختلاف في فهم الكلام بين مشرق ومغرب، كيف بنصوص الوحي؟ ألا يكون هذا مدعاة لاتهام عجمة فهومنا أمام كثير من الأدلة التي أجمع السلف على معنى معين لها؟
7- مع ماحصل من حدة وشدة وكلام غير مهذب؛ تفكرتُ في الفرق بين الأذى والضرر؛ الأذى مكروه مخفف، والضر له بقاء وأثر،
والتفريق موجود في القرآن “لن يضروكم إلا أذى” استثنى الأذى الذي هو نوع مخفف من الضر، وقد نفى الله سبحانه أن يبلغه ضر “لن تبلغوا ضري فتضروني” [2] لكن في الأذى قال: “يؤذيني ابن آدم يسب الدهر” [3]
والله سبحانه يقول: “إن الذين يؤذون الله ورسوله” وفي الضر نفى فقال: ” ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئًا”
فالمعنى: أن الأذى لا يمكننا العصمة منه معاشر البشر، لكننا ندعو الله أن يصرف عنا الضر، ومن تدبر آيات التعرض للأذى وجدها مرتبطة بموسى عليه السلام، وفي ذا معانٍ وأسرار ليس هذا موطن تفصيلها.
8- مما شدني في موجة الردود أن وسائل التواصل خلقت منا كائنات محفزة لأي معركة، تشعر أن كل حديث ينطوي على إهانة شخصية لها، وتظن أن كل كلمة مكتوبة لابد أن من رأي تأييدًا أو رفضًا، فقدنا سكينة التعاطي الهادئ مع الأفكار، نعتقد أننا معنيون بصورة شخصية بكل مايمر أمامنا؛ وهذا نفَس متعب للإنسان: لو حاكمت كل عبارة لوضعك وظروفك وتقمصت دور المعنيّ لما هدأت ثائرة غضبك أبدًا، حين تقرأ معنى: التخفف من الشكوى؛ هذا لا يعني أني أقول: يافلان ابن فلان لا تذهب اليوم وتشكو لأمك ما حصل لك.
9-نحن نقرأ الكلام بالرصيد الرمزي للشخص عندنا، فمن كان في أذهاننا له صورة حسنة حملنا كلامه على أحسن المحامل، ورددنا المتشابه لمحكم ما نشهد به عنه من فضائل، أما النظر دون معرفة الشخص فيجعلنا أقرب للاعتراض، وتوليد الاحتمالات غير المقصودة؛ لذا أكرر معنى ذكرته مرارًا: إحسان الظن ضرورة معرفية لفهم الجزء المضمر شأنها شأن السياق وباقي المخصصات، وليس مجرد قيمة أخلاقية نتغنى بها إنشائيًا.
10- وجدتُ في جملة ما وجدت أن إنسان الفضاء الإلكتروني مولعٌ بتقديم نفسه على أنه متيقظ لما يحاك في الخفاء؛ فيعترض ليظهر أنه ليس درويشًا يمرر الكلام بسهولة، يضطر حينها المتحدث لوضع القيود خشية التربص والهجوم المرتقب، تشير لمعنى إشارة فيقول: فصل وإلا فكلامك غير صحيح وسأورد استدراكاتي، تفصل فيقول: هات من الآخر، تجمل فيقول: هات من الأول، ترد فيقال: اقبل الرأي الآخر، ترد بـ”طيب” فيقال: رد بالحجة ولا تستخف؛ هذه بيئات غير آمنة لتقديم العلوم، وأحسن مواضع استخدامها أن تكون جسورًا للعلم، ومحطات للتزكية، ومتنفسات للروح؛ أما النقاش وتحرير المقولات فليس هذا موطنها برأيي.

ختامًا:
لم تكن هذه التعليقة تأففًا من اعتراض، ولا انتصارًا في نقاش، رأيت حاجة لنشر ملحوظات على شاطئ حدث لطيف، وليس في قلبي مثقال من انزعاج والله، حتى كلمة “طيب” كانت محاولة مني لتخفيف التوتر عن بعض المعلقين الذين حملوا الأمور فوق ما تحتمل، وكنت أكتبها مبتسمًا، ثم صارت الكلمة نفسها موطن نقاش وتوتر، ولله الأمر.

طيب؟
———-
[1] تنبيه الرجل العاقل (1/ 349)
[2] مسلم2577
[3] البخاري 4826 ومسلم 2246


11 رأيا حول “بابٌ في قانون فهم الكلام

  1. جزاكم الله خيرا أستاذنا الفاضل
    مقالة رائعة ومهمة، وتعكس معاناة كبيرة في خوض غمار أفهام الناس، وبذل الجهد في إيصال المعنى المراد لهم في الكثير من الأحيان، ويجدر الإشارة للحاجة الماسة لتصفية النفوس وإبراز حسن الظن في التعامل بين المسلمين.. وظنك يعكس طريقة تفكيرك وما تحمل على المتكلم أو الكاتب في قلبك.

    إعجاب

  2. خسرك طلاب مساق والله.. ولا اقول اكثر من ذلك! وعزاؤنا في مقالاتك التي نرجو ان تستمر فيها. زادكم الله علما ونفع بكم وبارك في جهودكم

    إعجاب

  3. “هذه بيئات غير آمنة لتقديم العلوم، وأحسن مواضع استخدامها أن تكون جسورًا للعلم، ومحطات للتزكية، ومتنفسات للروح؛ أما النقاش وتحرير المقولات فليس هذا موطنها برأيي”

    اي والله ! صدقت يا أستاذ.

    إعجاب

  4. قرأت التغريدة .. وكالعادة على تويتر توقعت هذه العاصفة
    مع أن الأمر لا يستحق
    لكن أظن بأنهم لا يعرفون الأستاذ بدر .. وعمق فهمه وسعة أفقه وفقهه
    وبالمقابل
    نحن بحاجة إلى كثير من الحلم والروية.. والمرونة .. واتساع الرؤية.. في فضاء تويتر

    زادكم الله حلما وعلما .. وضاعف نفعكم وبركتكم

    إعجاب

  5. قرأت التغريدة .. وكالعادة على تويتر توقعت هذه العاصفة
    مع أن الأمر لا يستحق
    لكن أظن بأنهم لا يعرفون الأستاذ بدر .. وعمق فهمه وسعة أفقه وفقهه
    وبالمقابل
    نحن بحاجة إلى كثير من الحلم والروية.. والمرونة .. واتساع الرؤية.. في فضاء تويتر

    زادكم الله حلما وعلما .. وضاعف نفعكم وبركتكم

    إعجاب

  6. مقالة جميلة.
    هل بالإمكان تزويدنا بمرجع يبين الفرق بين العام والمطلق عند الأصوليين كما ذكرت في المقالة؟

    إعجاب

  7. مقال جميل؛ إطلاق الأحكام بعيدا عن سياق الكلام في منصات التواصل كثير, نحتاج إلى اتساع الرؤية

    إعجاب

  8. الله يوفقك وييسر أمرك ويشرح صدرك بالعكس كلامك جميل ويدل على أنك إنسان تتحلى بالرحمة وتعيش الآم الآخرين لذلك جاءت منك هذه اللفتة الرائعة، في كتمان الألم من باب اللطف مع الأهل والأحباب، لأن هناك الناس تتعذب كثيراً وبالذات في نشر المشاكل الأسرية على وسائل الإعلام.

    إعجاب

  9. انشر و استمر وفقك الله و زادك علما و حكمة ،فلا أبالغ إن قلتُ أني كلما وجدت مقالة لك كنت أفرحَ بها من الصبيان بالعيد.
    نفع الله بك أستاذ بدر .

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s